وفيهما من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقولُ: أعدَدتُ لِعبادي الصَّالحينَ مالا عَينٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سمعَت، ولا خَطَرَ على قَلبِ بشرٍ".
فإن قيل: فأعلى ما في الجنَّة النَّظر، وقد خطر على قلوبنا أننا نراه، فكيف قال: ولا خطر على قلب بشر؟
فالجواب: أنَّنا في وقت النظر يحصل لنا من اللذة والاستغراق ما لم يخطر على قلب بشر.
وفي الصحيحين أيضًا: عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أوَّل زُمرةٍ تَلِجُ الجنَّة صورتُهم على صورةِ القَمَر ليلةَ البَدْرِ، لا يَبْصُقون فيها ولا يَمْتَخِطون ولا يَتَغوَّطون، آنيتُهم فيها الذَّهبُ، وأَمشَاطُهم من الذَّهب والفِضَّة، ومَجامِرُهم الأُلُوَّة، ورَشحُهم المِسْكُ، ولكلِّ واحدٍ منهم زوجتان يُرى مخُّ ساقهما من وراء اللَّحم من الحُسنِ، لا اختلافَ بينهم ولا تَباغُضَ، قلوبُهم على قَلبِ رَجُلٍ واحدٍ، يُسبِّحونَ الله بُكرةً وعشيًّا".
وفيهما من حديث أبي ذرٍّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أُدخِلتُ الجنَّةَ فإذا فيها جَنابِذُ اللؤلؤ، وتُرابُها المِسْك". والجنابذ: القباب.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنَّ أهلَ الجنَّةِ ليَتَراءَوْن أهلَ الغُرَفِ من فوقِهم كما يَتَراءَوْن الكَوْكَبَ الدُّرِّي العائِر في الأفُقِ من المَشرِقِ والمَغْرِب، لتفاضُل ما بينَهم".
قلت: وقد رويت هذه اللفظة"العائر"وليست بشيء ، والمشهور من حديث أبي سعيد الذي أخرجه الحميدي"الغارب في الأفق الشرقي أو الغربي"وفي رواية"الكوكب الدرِّي". فأمَّا العائر: فهو السَّهم لا يدرى من رمى به.
تمام الحديث: قالوا يا رسول الله، تلك منازلُ الأنبياءِ لا يبلغها غيرهم؟ فقال:"بَلَى، والذِي نَفسِي بيدِه، رجالٌ آمَنُوا بالله وصَدَّقوا المُرسَلين".
وفيهما من حديث سهل بن سعد، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس كلهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إنَّ في الجنَّةِ شَجَرةً يَسيرُ الراكبُ في ظِلِّها مئةَ عامٍ لا يَقطعُها"وقد ذكرنا الحديث.
وأخرج أحمد في"المسند"عن عتبة بن عبدٍ السُّلَمي:"أنَها تُشبه شَجَرة الجَوْزِ بالشَّامِ، قال: تَنبُتُ على ساقٍ واحدٍ ويَنفَرِشُ أَعلاها".