ولكن هل يزيد الإيمان بالعمل الصالح، وينقص بترك العمل بموجبه وما يقتضيه ويدعو إليه؛ وهي قضية يخوض فيها علماء الكلام من حيث إن الإيمان يزيد وينقص أو لَا يزيد ولا ينقص، وأنه حقيقة واحدة، وهي التصديق والاعتقاد الجازم، والإذعان المطلق لله ولرسوله، وتلك لَا تزيد ولا تنقص.
ولا نريد أن نخوض في ذلك. ونقول مقررين حقيقتين ثابتتين.
إحداهما: أنه قد جاء في النصوص القرآنية أن الإيمان يزيد، فقد قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى ربِّهِمْ يَتَوَكلونَ) ، وقال تعالى: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيمَانًا فَأمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وهُمْ يَسْتَبْشِرونَ) .
وهكذا نرى في صريح القرآن أن الإيمان يزيد، وأنه وإن كان أصله الاعتقاد والتصديق، فإن زيادته تكون بتوثيقه بحيث يكون عميقا لَا تزعزعه الرياح، أو راسيا ثابتا، كالجبال، ولا شك أن العمل بموجبه يوثقه، ويؤكده، وأن ترك العمل يجعله يجف، وإن كان لَا يموت ولا يذهب وإن الجزاء يكون على الإيمان وللعمل جزاؤه. والحقيقة أنه وردت أحاديث كثيرة تجعل الأعمال من الإيمان، وقد روى ابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"الإيمان بضع وستون أو سبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها قول لَا إله إلا الله، والحياء شعبة من الإيمان".
وإن عد هذه الأعمال من الإيمان على أنها من ثمراته، ولا مانع من أن تعد الثمرة من الأصل إذا كانت لَا تظهر إلا ثمرة له فلا تكون إلا من أصل الإيمان، فهي من قبيل الاتحاد بين اللازم والملزوم.
ومهما يكن القول في الاتصال بين الإيمان والعمل، فإن العمل يزكي الإيمان ويقويه، وهو كالماء، والغذاء، يتغذى منه الإيمان ويقوى، وإن الإيمان من غير عمل يجف، ولا يكون مثمرا منتجا، فمن يكون مؤمنا من غير أن يعمل بموجب إيمانه يكون كمن يملك أرضا طيبة، لَا يزرعها، ولا يثمرها.