وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)
الاستدلال هذا بما في الليل والنّهار من اختلاف الحال بين ظلمة ونور ، وبرد وحر ، مما يكون بعضه أليق ببعض الناس من بعض ببعض آخر ، وهذا مخالف للاستدلال الذي في قوله {وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً} [الفرقان: 47] ، فهذه دلالة أخرى ونعمة أخرى والحِكَم في المخلوقات كثيرة.
والقصر هنا قصر حقيقي وليس إضافياً فلذلك لا يراد به الرد على المشركين بخلاف صيغ القصر السابقة من قوله {وهو الذي جعل لكم الليل لباساً إلى قوله وكان ربك قديراً} [الفرقان: 47 54] .
والخِلفة بكسر الخاء وسكون اللام: اسم لما يَخلف غيره في بعض ما يصلح له.
صيغ هذا الاسم على زنة فِعْلة لأنه في الأصل ذو خلفة ، أي صاحب حالة خلف فيها غيره ثم شاع استعماله فصار اسماً ، قال زهير:
بها العين والآرام يَمشِينَ خِلفَةً...
وأطلاؤها ينهَضْن من كل مُجْثَم
أي يمشي سرب ويخلفه سرب آخر ثم يتعاقب هكذا.
فالمعنى: جعل الليل خلفة والنهارَ خلفة: أي كلَّ واحد منهما خِلفة عن الآخر ، أي فيما يعمل فيها من التدبر في أدلة العقيدة والتعبد والتذكر.
واللام في {لمن أراد أن يذكر} لام التعليل وهي متعلقة بـ {جعل} ، فأفاد ذلك أن هذا الجعل نافع من أراد أن يذّكر أو أراد شُكوراً.
والتذكر: تفعّل من الذِكر ، أي تكلف الذكر.
والذكر جاء في القرآن بمعنى التأمل في أدلة الدين ، وجاء بمعنى: تذكر فائت أو منسي ، ويجمع المعنيين استظهار ما احتجب عن الفكر.
والشكور: بضم الشين مصدر مرادف الشكر ، والشكر: عرفانُ إحسان المحسن.
والمراد به هنا العبادة لأنها شكر لله تعالى.