فقدماء المصريين أقاموا المسلات ليضبطوا بها الزمن عن طريق الظل ، وصنع العرب المسلمون المزْولة لضبط الوقت مع حركة الشمس ، ونرى الفلاح البسيط الآن ينظر إلى ظل شيء ويقول لك: الساعة الآن كذا ؛ لأنه تعودَّ أن يقيس الوقت بالظل ، مع أن مثل هذا التقدير يكون غير دقيق ؛ لأن للشمس مطالعَ متعددة على مرِّ أيام العام ؛ لذلك في أحد معابد الفراعنة معبد به 365 طاقة ، تدخل الشمس كل يوم واحدة منها .
إذن: أفادنا الظل في المسلات والمزاول ، ومنها انتقل المسلمون إلى عمل الساعات ، وأولها الساعة الدقاقة التي كانت تعمل بالماء ، وقد أهدوْا شارلمان ملك فرنسا واحدة منها فقال: إن فيها شيطاناً ، هكذا كان المسلمون الأوائل .
وقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً} [الفرقان: 45] أي: أن الضوء هو الذي يدل على الظلِّ .
ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46)
الحق تبارك وتعالى يُبيِّن الحركة البطيئة للظل فيقول: {قَبْضاً يَسِيراً} [الفرقان: 46] لا تدركه أنت أبداً ؛ لأن في كل لحظة من لحظات الزمن حركة فلا يخلو الوقت مهما قَلَّ من الحركة ، لكن ليس لديك المقياس الذي تدرك به بُطْءَ هذه الحركة .
وقوله: {قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا} [الفرقان: 46] دليل على أن المسألة ليست ميكانيكاً ، إنما هي بقيومية الله تعالى ؛ لذلك فكأن الحق سبحانه يقول: يا عبادي ناموا مِلْءَ جفونكم ، فربُّكم قيُّوم على مصالحكم لا ينام .
وأهل المعرفة يستنبطون من ظاهرة الظل أسراراً ، فيروْنَ أن ظِلَّ الأشياء الشاهقة المتعالية يخضع لله تعالى ، ويسجد على الأرض ، رغم أنه متعالٍ شامخ ، كما جاء في قوله سبحانه: {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بالغدو والآصال} [الرعد: 15] .