"وفصل الله بين النور والظلمة (إصحاح واحد من سفر الخروج) ، فاستدلال القرآن بالظل أجدى من الاستدلال بالظلمة لأن الظلمة عدم لا يكاد يحصل الشعور بجمالها بخلاف الظل فهو جامع بين الظلمة والنور فكلا دلالتيه واضحة."
وجملة {ولو شاء لجعله ساكناً} معترضة للتذكير بأن في الظل منّة.
وقوله: {ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً} عطف على جملة {مد الظل} وأفادت {ثُمّ} أن مدلول المعطوف بها متراخ في الرتبة عن مدلول المعطوف عليه شأن {ثُم} إذا عطفت الجملة.
ومعنى تراخي الرتبة أنها أبعد اعتباراً ، أي أنها أرفع في التأثير أو في الوجود فإن وجود الشمس هو علة وجود الظّل للأجسام التي على الأرض والسبب أرفع رتبة من المسبّب ، أي أن الله مد الظل بأن جعل الشمس دليلاً على مقادير امتداده.
ولم يفصح المفسرون عن معنى هذه الجملة إفصاحاً شافياً.
والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: {ثم جعلنا} لأن ضمير المتكلم أدخل في الامتنان من ضمير الغائب فهو مشعر بأن هذا الجعل نعمة وهي نعمة النور الذي به تمييز أحوال المرئيات وعليه فقوله (تعالى) : {ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً} ارتقاء في المنّة.
والدليل: المرشد إلى الطريق والهادي إليه ، فجُعل امتداد الظل لاختلاف مقاديره كامتداد الطريق وعلامات مقادير مثلَ صُوى الطريق ، وجعلت الشمس من حيث كانت سبباً في ظهور مقادير الظل كالهادي إلى مَراحلَ ، بطريقة التشبيه البليغ ، فكما أن الهادي يخبر السائر أين ينزل من الطريق ، كذلك الشمس بتسببها في مقادير امتداد الظل تعرّف المستدل بالظل بأوقات أعماله ليشرع فيها.
وتعدية {دليلاً} بحرف (على) تفيد أن دلالة الشمس على الظل هنا دلالة تنبيه على شيء قد يخفى كقول الشاعر:
"إلا عليّ دليل"...
وشمل هذا حالتي المد والقبض.