قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: كان عقبة بن أَبي معيط قد هم بالدخول في الإِسلام فمنعه منه أبيّ بن خلف وكانا صديقين، وقد قتلهما النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل عقبة يوم بدر صبرا، وطعن أَبيّ بن خَلف في المبارزة يوم أُحد فرجع إلى مكة ومات وقد ذكر ذلك القشيرى والثعلبى سببا في نزول الآيتين.
والظاهر: أَن ال الظالم للجنس، فيعم كل ظالم، ويدخل فيه عقبة بن أَبي معيط دخولا أَوليا، وأَن فلانا: كناية عن كل خليل ظالم من شياطين الإِنس والجن، وعموم اللفظ لا ينافيه خصوص السبب.
والمعنى: أَن كل ظالم فارق الصراط المستقيم، وأَعرض عما جاءَ به الرسول من الحق البيِّن الذي لا مرية فيه فإنه يندم يوم القيامة حيث لا ينفعه الندم، ويعض على يديه، ويطبق أَسنانه على أَنامله حزنًا وألمًا شأْن المَغِيظ المُحْنَقِ.
{يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} : في الدنيا باتباع أَوامره، واجتناب نواهيه، وبذل كل جهد في نصرة الدين دفاعًا عنه، وحفاظًا على أَهله، حتى يكون ذلك العمل طريقًا إلى الجنة، وجملة {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي .. } إلخ في مَوضع الحال من الظالم، أو مستأْنفة بيانا لما قبلها.
و (ال) في الرسول للجنس فيعم كل رسول، أَو المعهود: فيكون المراد به رسول هذه الأُمة محمدا - صلوات الله عليه وسلامه -.
28 - {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} :
ينادى الظالم في موقفه اليائس الحزين: ويْلَتهُ - أي: هلاكه، تعبيرا عن حزنه وحسرته، وهي كلمة تقال عند وقوع الداهية العظيمة، والخطب الجسيم، فكأَنه يقول: احضرى يا هلكتى فهذا أَوانك، ثم يقول: {لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} : ليُبْرز بهذا التمنى ندمه، مع نوع من التعلل والاعتذار بإلصاق جنايته على نفسه بغيره، الذي عَبّر عنه بفلان مريدًا به الشيطان، أَو كل من أَضله في الدنيا، أي: ليتنى لم أَتَّخذ في الدنيا كائنا من كان صديقًا أَتَّبعه وأَثق به، وأَسلك سبيله، سبيل الكفر والطغيان التي قادتنى إلى مهاوى الهلاك والخسران.