{ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً} ..
وإنهم ليجادلون بالباطل ، والله يرد عليهم باطلهم بالحق الذي يدمغه. والحق هو الغاية التي يريد القرآن تقريرها ، وليس مجرد الانتصار في الجدل ، ولا الغلب في المحاجة. إنما هو الحق القوي بنفسه ، الواضح الذي لا يلتبس به الباطل.
والله سبحانه يعد رسوله صلى الله عليه وسلم بالعون في كل جدل يقوم بينه وبين قومه. فهو على الحق ، والله يمده بالحق الذي يعفى على الباطل. فأنى يقف جدلهم لحجة الله البالغة؟ وأنى يقف باطلهم للحق الدامغ الذي يتنزل من عند الله؟
وتنتهي هذه الجولة بمشهدهم يحشرون على وجوههم يوم القيامة ، جزاء تأبيهم على الحق ، وانقلاب مقاييسهم ومنطقهم في جدلهم العقيم:
الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم.
أولئك شر مكاناً وأضل سبيلاً..
ومشهد الحشر على الوجوه فيه من الإهانة والتحقير والانقلاب ، ما يقابل التعالي والاستكبار ، والإعراض عن الحق. وهو يضع هذا المشهد أمام الرسول صلى الله عليه وسلم تعزية له عما يلقاه منهم. ويضعه أمامهم تحذيراً لهم مما ينتظرهم. وهو مشهد مجرد عرضه يذل كبرياءهم ويزلزل عنادهم ، ويهز كيانهم. وقد كانت هذه الإنذارات تهزهم هزاً ، ولكنهم يتحاملون على أنفسهم ويظلون معاندين.
ثم يجول بهم جولة في مصارع المكذبين من السابقين:
{ولقد آتينا موسى الكتاب ، وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً ؛ فقلنا: اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا ، فدمرناهم تدميراً. وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذاباً أليماً. وعاد وثمود وأصحاب الرس ، وقروناً بين ذلك كثيراً. وكلا ضربنا له الأمثال ، وكلا تبرنا تتبيراً. ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء ؛ أفلم يكونوا يرونها؟ بل كانوا لا يرجون نشوراً} ..
إنها أمثلة مختصرة سريعة ترسم مصائر المكذبين: