يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ الرَّسُولُ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ: يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي الَّذِينَ بَعَثْتَنِي إِلَيْهِمْ لِأَدْعُوَهُمْ إِلَى تَوْحِيدِكَ اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنُ مَهْجُورًا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى اتِّخَاذِهِمُ الْقُرْآنَ مَهْجُورًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ اتِّخَاذُهُمْ ذَلِكَ هُجْرًا قَوْلُهُمْ فِيهِ السَّيِّئَ مِنَ الْقَوْلِ، وَزَعْمُهُمْ أَنَّهُ سِحْرٌ، وَأَنَّهُ شِعْرٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: الْخَبَرُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ هَجَرُوا الْقُرْآنَ وَأَعْرَضُوا عَنْهُ وَلَمْ يَسْمَعُوا لَهُ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} "لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَسْمَعُوهُ، وَإِنْ دُعُوا إِلَى اللَّهِ قَالُوا لَا."
وَقَرَأَ: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} قَالَ: يَنْهَوْنَ عَنْهُ، وَيَبْعُدُونَ عَنْهُ"."
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} ، وَذَلِكَ هَجْرُهُمْ إِيَّاهُ.
وَقَوْلُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَكَمَا جَعَلْنَا لَكَ يَا مُحَمَّدُ أَعْدَاءً مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ، كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ مَنْ نَبَّأْنَاهُ مِنْ قَبْلِكَ عَدُوًّا مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِ، فَلَمْ تُخَصَّصْ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنَهُمْ. يَقُولُ: فَاصْبِرْ لِمَا نَالَكَ مِنْهُمْ كَمَا صَبَرَ مِنْ قَبْلِكَ أُولُو الْعَزْمِ مِنْ رُسُلِنَا.
وَقَوْلُهُ: {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ: وَكَفَاكَ يَا مُحَمَّدُ بِرَبِّكَ هَادِيًا يَهْدِيكَ إِلَى الْحَقِّ، وَيُبَصِّرُكَ الرُّشْدَ، وَنَصِيرًا: يَقُولُ: نَاصِرًا لَكَ عَلَى أَعْدَائِكَ، يَقُولُ: فَلَا يُهَوِّلَنَّكَ أَعْدَاؤُكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنِّي نَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ، فَاصْبِرْ لِأَمْرِي، وَامْضِ لِتَبْلِيغِ رِسَالَتِي إِلَيْهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) }