واختلف في قائل هذه المقالة ؛ فقيل: كفار قريش ، وقيل: اليهود ، قالوا: هلا أتيتنا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة ، والإنجيل ، والزبور؟ وهذا زعم باطل ، ودعوى داحضة ، فإن هذه الكتب نزلت مفرّقة كما نزل القرآن ، ولكنهم معاندون ، أو جاهلون لا يدرون بكيفية نزول كتب الله سبحانه على أنبيائه ، ثم ردّ الله سبحانه عليهم ، فقال: {كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} أي: نزلنا القرآن كذلك مفرّقاً ، والكاف في محل نصب على أنها نعت مصدر محذوف ، وذلك إشارة إلى ما يفهم من كلامهم ، أي: مثل ذلك التنزيل المفرّق الذي قدحوا فيه ، واقترحوا خلافه ؛ نزلناه لنقوّي بهذا التنزيل على هذه الصفة فؤادك ، فإن إنزاله مفرّقاً منجماً على حسب الحوادث أقرب إلى حفظك له ، وفهمك لمعانيه ، وذلك من أعظم أسباب التثبيت ، واللام متعلقة بالفعل المحذوف الذي قدّرناه.
وقال أبو حاتم: إن الأخفش قال: إنها جواب قسم محذوف.
قال: وهذا قول مرجوح.
وقرأ عبد الله:"ليثبت"بالتحتية أي: الله سبحانه ، وقيل: إن هذه الكلمة أعني: كذلك ، هي من تمام كلام المشركين ، والمعنى: كذلك أي: كالتوراة والإنجيل والزبور ، فيوقف على قوله: {كذلك} ، ثم يبتدأ بقوله: {لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} على معنى: أنزلناه عليك متفرّقاً لهذا الغرض.
قال ابن الأنباري: وهذا أجود وأحسن.
قال النحاس: وكان ذلك أي: إنزال القرآن منجماً من أعلام النبوّة لأنهم لا يسألونه عن شيء إلاّ أجيبوا عنه ، وهذا لا يكون إلاّ من نبيّ ، فكان ذلك تثبيتاً لفؤاده وأفئدتهم.
{وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} هذا معطوف على الفعل المقدّر أي: كذلك نزلناه ورتلناه ترتيلاً ، ومعنى الترتيل: أن يكون آية بعد آية ، قاله النخعي والحسن وقتادة.
وقيل: إن المعنى بيناه تبييناً ، حكى هذا عن ابن عباس.
وقال مجاهد: بعضه في إثر بعض.
وقال السدّي: فصلناه تفصيلاً.