واعلم: أن الله تعالى أنزل القرآن على وفق الحكمة الأزلية في رعاية مصالح الخلق؛ ليهتدي به أهل السعادة، وليضِلَّ به أهل الشقاوة، وينسبوه إلى الإفك، كما قال تعالى: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} والقرآن لا يدرك إلا بنور الإيمان. والكفر ظلمة. وبالظلمة لا يرى إلا الظلمة، فبظلمة الكفر؛ أي: الكفار القرآن النوراني القديم كلامًا مخلوقًا ظلمانيًا من جنس كلام البشر، فكذلك أهل البدعة .. لما رأوا القرآن بظلمة البدعة، رأوا كلامًا مخلوقًا ظلمانيًا بظلمة الحدوث، وظلموا أنفسهم بوضع القرآن في غير موضعه من كلام البشر. وفي الحديث:"القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، فمن قال بكونه مخلوقًا فقد كفر بالذي أنزله". نسأل الله العصمة والحفظ من الإلحاد وسوء الاعتقاد.
7 -ولما فرغ سبحانه من ذكر ما طعنوا به على القرآن .. ذكر ما طعنوا به على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذكر هنا أن المشركين ذكروا خمس صفات للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، تمنع النبوة في زعمهم. {وَقَالُوا} ؛ أي: وقال المشركون من أشراف قريش، كأبي جهل وعتبة وأمية وعاص وأمثالهم. وذلك حين اجتماعهم عند ظهر الكعبة. {ما} استفهامية، بمعنى إنكار الوقوع ونفيه، في محل الرفع على الابتداء خبرها قوله: {لهَذَا الرَّسُولِ} وجدت اللام مفصولة عن الهاء في المصحف، واتباعه سنة.
وفي الإشارة هنا تصغير لشأن المشار إليه وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وسموه رسولًا استهزاء وسخرية؛ أي: أيُّ سبب حصل لهذا الذي يدعي الرسالة؟ حال كونه {يَأْكُلُ الطَّعَامَ} كما نأكل - والطعام كل ما يتناول من الغذاء - {و} حالة كونه {يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} لطلب المعاش كما نمشي - وهو الموضع الذي يجلب إليه المتاع للبيع ويساق - أنكروا أن يكون الرسول بصفة البشر، يعني إن صح دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا, ولم يؤت ميزةً دوننا.