وأما بيوت الأصدقاء الذين ترتفع الكلفة بينهم، ويصفو الودّ معهم، فيؤكل منها إذا علم رضاهم صراحة أو بالقرائن. روي عن الحسن البصري أنه دخل داره، وإذا حلقة من أصدقائه، وقد استلوا سلالا من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة، وهم مكبّون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سرورا وضحك، وقال: هكذا وجدناهم، أي أكابر الصحابة. وكذلك يقال في دخول بيوت الأصدقاء لا بدّ فيه من إذن صريح أو قرينة.
واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع لإباحة الله تعالى لهم بهذه الآية الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذنهم، فلا يكون ماله محرزا منهم، أي بسبب وجود شبهة الإذن. والحقيقة أنه لا بدّ من الإذن الصريح، أو الضمني الذي يعرف بالقرائن.
ثم ذكر الله تعالى حكم الأكل الجماعي والانفرادي فقال:
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً أي يباح ولا إثم عليكم أن
تأكلوا كيف شئتم مجتمعين أو متفرقين.
وهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده ومع الجماعة، لكن الأكل مع الجماعة أبرك وأفضل
روى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلا قال للنبي صلّى الله عليه وسلم: إنا نأكل ولا نشبع، قال:
«لعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه» .
وروى ابن ماجه أيضا عن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «كلوا جميعا، ولا تفرقوا، فإن البركة مع الجماعة» .
ثم ذكر الله تعالى حكم تحية الداخل على بيته فقال:
فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ أي فليسلّم بعضكم على بعض، أو فإذا دخلتم بيتا من هذه البيوت لتأكلوا فابدءوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم دينا وقرابة. وعبر بقوله: أَنْفُسِكُمْ للدلالة على أنهم منكم بمنزلة أنفسكم، فكأنكم حين تسلمون عليهم تسلمون على أنفسكم.