وأنفسكم حرج أن تأكلوا دفعاً لتوهم خلاف المراد ، وقيل: حذف الحرج آخراً للإشارة إلى مغايرته للمذكور ولا تقدح في دلالته عليه لا سيما إذا قلنا: إن الدال غير منحصر فيه وهو كما ترى ، ومعنى {على أَنفُسِكُمْ} كما في"الكشاف"عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين ، وفيه كما في"الكشف"إشارة إلى فائدة إقحام النفس وأن الحاصل ليس على الضعفاء المطعمين ولا على الذاهبين إلى بيوت القرابات ومن مثل حالهم وهم الأصدقاء حرج.
وقيل: إن فائدة إقحامها الإشارة إلى أن الأكل المذكور مع أنه لا حرج فيه لا يخل بقدر من له شأن وهو وجه حسن دقيق لا يلزمه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ظاهراً ، وكان منشأه كثرة إقحام النفس في ذوي الشأن ، ومن ذلك قوله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة} [الأنعام: 54] ولم يقل سبحانه كتب ربكم عليه الرحمة ، وقوله عز وجل في الحديث القدسي:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي"دون أن يقول جل وعلا: إني حرمت الظلم على إلى غير ذلك مما يعرفه المتتبع المنصف ، وما قيل من أنّ فائدة الإقحام الإشارة إلى أن التجنب عن الأكل المذكور لا يخلو عن رعاية حظ النفس مع خفائه لا يلائم إلا بعض الروايات السابقة في سبب النزول ، ونحو ما قيل من أنها أقحمت للإشارة إلى أن نفي الحرج عن المخاطبين في الأكل من البيوت المذكورة لذواتهم بخلاف نفي الحرج عن أهل الأعذار في الأكل منها فإنه لكونهم مع المخاطبين وذهابهم بهم إليها ، والتعرض لنفي الحرج عنهم في أكلهم من بيوتهم مع ظهور انتفاء ذلك لإظهار التسوية بينه وبين قرنائه كما في قوله تعالى: {تُكَلّمُ الناس فِى المهد وَكَهْلاً} [آل عمران: 46] لكن ذلك فيما نحن فيه من أول الأمر ، ولم يتعرض لبيوت أولادهم لظهور أنها كبيوتهم ، وذكر جمع أنها داخلة في بيوت المخاطبني ، فقد روى أبو داود.
وابن ماجه"أنت ومالك لأبيك"وفي حديث رواه الشيخان.