وروى الزُّهْرِيّ عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان المسلمون يُوعِبُون في النَّفِير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانوا يدفعون مفاتيحهم إلى ضَمْناهم ويقولون: إن احتجتم فكُلُوا ؛ فكانوا يقولون إنما أحلُّوه لنا عن غير طِيب نَفْس ؛ فأنزل الله عز وجل: {وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ} إلى آخر الآية.
قال النحاس:"يُوعِبون"أي يخرجون بأجمعهم في المغازِي ؛ يقال: أوْعَب بنو فلان لبني فلان إذا جاؤوهم بأجمعهم.
وقال ابن السكِّيت: يقال أوْعب بنو فلان جلاءً ؛ فلم يبق ببلدهم منهم أحد.
وجاء الفرسُ برَكْضٍ وَعِيب ؛ أي بأقصى ما عنده.
وفي الحديث:"في الأنف إذا استوعِب جَدْعُه الدِّيَةُ"إذا لم يترك منه شيء.
واستيعاب الشيء استئصاله.
ويقال: بَيْتٌ وَعِيبٌ إذا كان واسعاً يَسْتَوْعِب كلّ ما جُعل فيه.
والضَّمْنَى هم الزَّمْنَى ، واحدهم ضَمِن مثل زمِن.
قال النحاس: وهذا القول من أجلّ ما روي في الآية ؛ لما فيه عن الصحابة والتابعين من التوقيف أن الآية نزلت في شيء بعينه.
قال ابن العربي: وهذا كلام منتظم لأجل تخلّفهم عنهم في الجهاد وبقاء أموالهم بأيديهم ، لكن قوله: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} قد اقتضاه ؛ فكان هذا القول بعيداً جداً.
لكن المختار أن يقال: إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر ، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به من المشي ؛ وما يتعذّر من الأفعال مع وجود العَرَج ، وعن المريض فيما يؤثّر المرض في إسقاطه ؛ كالصوم وشروط الصلاة وأركانها ، والجهاد ونحو ذلك.
ثم قال بعد ذلك مبيّناً: وليس عليكم حرج في أن تأكلوا من بيوتكم.
فهذا معنى صحيح ، وتفسير بيِّن مفيد ، يَعْضُده الشرع والعقل ، ولا يحتاج في تفسير الآية إلى نقل.