وأما الحياء فيما يتصل بحقوق الناس، فكحياء الولد من والده، والمرأة من زوجها والجاهل من العالم والصغير من الكبير، والواحد من الجماعة وإنما يكون ذلك إذا أراد الأدون أن يعمل على عين الأكمل عملاً يحق مثله للأكمل، فيخاف أن يقع منه عنده على وجه يذمه فيدعه.
فذاك استحياؤه.
وهذا أيضاً محمود، لأن فيه مراعاة الناقص حق الكامل، وإدمانه له لأجل الفضل الذي يعمل له على نفسه.
وقد يدخل في هذا الباب حياء الناس بعضهم من بعض، حياء البكر من الإفصاح بالرغبة في النكاح، وليس هذا خوفاً لذم يلحقها على إرادة النكاح وإنما هو خوف ذم على ما يخشى أن يستبدل بإظهارها الرغبة في النكاح عليه.
وهو حب الرجل وقلة الصبر.
فإنها إذا تصورت في القلوب في هذه الصورة لم يؤمن أن يظن بها غير الجميل.
فالذم على ذلك هو الخوف لا على النكاح نفسه.
والحياء من هذا، ليس أنه الحقيقة وإنما هو مما يخاف أن يكون وراءه وبالله التوفيق.
ويدخل في جملة الحياء من الله - عز وجل - ثم من الناس، ستر العورة لأن الشريعة كما جاءت بالأمر بستر العورة، فكذلك الناس بحكم طبائعهم يعد من كشفها شقاء عليه، وسفاهة وخلاعة.
جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «أستر عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك» يعني الإماء.
قيل له: أرأيت إذا كان أحدنا خالياً بنفسه، قال: «الله أحق أن يستحى منه» .
فدل ذلك على أن ستر العورة تجمع العبادة والمروءة.
فإن قال قائل: ما معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلّم - «أحق أن يستحى منه» اللبس لا يحجب عن الله لأنه يرى المستور كما يرى المكشوف؟
قيل: هو هذا، ولكنه يرى المكشوف مكشوفاً قد ترك أدبه من الستر فيه.
ويرى المستور مستوراً أقيم أدبه من الستر فيه، فصح الاستحياء منه باللبس والستر فيه، وبالله التوفيق.
فإن قيل: أولا يحل كشف العورة في البيت الخالي؟
قيل: يحل، وليس معنى قوله - صلى الله عليه وسلّم - «أحق أن يستحى منه» أن التكشف مع الخلوة لا يحل وإنما هو معنى أن المتكشف يرى نفسه كما كان غيره يراه لو كان حاضراً والأحسن أن لا ينظر إلى عورته من غير أدب، وأن يستر عن نفسه ما يستره عن غيره.
ألا ترى أنه لا يحرم عليه أن ينظر إلى فرج امرأته وجاريته، ولكن الأحسن والأشبه بالمروءة أن لا ينظر.
فكذلك هذا في نفسه.