فمثال الأول ولي العزلة الذي حصل العزلة بإيثار الخلوة وترك العشرة. والثاني ولي العشرة، فهو نجي الحضرة، يخالط الناس للخبرة، وينظر إليهم بالعبرة، ويأمرهم بالعبرة، فهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحكم بحكم الله، ويأخذ لله، ويعطي في الله، ويفهم عن الله، ويتكلم مع الله، فالدنيا سوق تجارته، والعقل رأس بضاعته، والعدل في الغضب والرضا ميزانه، والقصد في الفقر والغنى عنوانه، والعلم مفزعه ومنحاه، والقرآن كتاب الإذن من مولاه، هو كائن في الناس بظواهره، بائن منهم بسرائره، فقد هجرهم فيما له عليهم في الله باطنا، ثم وصلهم فيما لهم عليه ظاهرا.
وما هو منهمو بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام
يأكل ما يأكلون، ويشرب ما يشربون، وما يدريهم أنه ضيف الله، يرى السموات والأرض قائمات بأمره، وكأنه قيل فيه:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
فحال ولي العزلة أصفى وأحلى، وحال ولي العشرة أوفى وأعلى. ونزل الأول من الثاني في حضرة الرحمن منزلة النديم من الوزير عند السلطان، أما النبي عليه الصلاة والسلام فهو كريم الطرفين، ومعدن الشذرين، ومجمع الحالين، ومنبع الزلالين، فباطن أحواله مهتدى ولي العزلة، وظاهر أعماله مقتدى ولي العشرة، والثالث: المجاهد المحاسب، العامل المطالب بالضرائب، كنجوم المكاتب، عليه في اليوم والليلة خمس، وفي المائتي درهم خمسة، وفي السنة شهر، وفي العمر زورة، فكأنه اشترى نفسه من ربه بهذه النجوم المرتبة، فيسعى في فكاك رقبته خوفا من البقاء في ربقة العبودية، وطمعا في فتح باب الحرية، ليسرح في رياض الجنة، فيتمتع بمبياه، ويفعل ما يشاؤه ويهواه، والرابع: الأباق فما أكثرهم، فمنهم القاضي الجائر، والعالم غير العامل، والعامل المرائي، والواعظ الذي لا يفعل ما يقول، ويكون أكثر أقواله الفضول، وعلى كل ما لا ينفعه يصول، فضلا عن السارق والزاني والغاصب فعنهم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لينصر هذا الدين بقوم لا خلاق لهم في الآخرة). انتهى انتهى {الأساس في التفسير} ...