30 -ولما ذكر سبحانه حكم الاستئذان، أتبعه بذكر حكم النظر على العموم، فيندرج فيه غضّ البصر من المستأذن. كما قال - صلى الله عليه وسلم -:"إنما جعل الإذن من أجل البصر". فقال: {قُلْ} يا محمد {لِلْمُؤْمِنِينَ} وخص على غيرهم لكون قطع ذرائع الزنا التي منها النظر هم أحق من غيرهم بها، وأولى بذلك ممن سواهم. وقيل: إن في الآية دليلًا على أن الكفار غير مخاطبين بالشرعيات كما يقوله بعض أهل العلم ومقول القول أمر قد حذف لدلالة جوابه عليه، تقديره: قل لهم: غضوا. {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} ؛ أي: يكفوا أبصارهم عن الحرام. والغض إطباق الجفن، بحيث يمنع الرؤية. ومنه قول جرير:
وَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ... فَلاَ كَعْبًا بَلَغْتَ وَلاَ كِلاَبَا
وقول عنترة:
وَأَغُضُّ طَرْفِيْ مَا بَدَتْ لِيْ جَارَتِيْ ... حَتَّى تُوَارِيْ جَارَتِيْ مَأْوَاهَا
و (من) في قوله: {مِنْ أَبْصَارِهِمْ} زائدة، أو تبعيضية. وإليه ذهب الأكثرون؛ لأن الغالب أن الاحتراز عن النظرة الأولى لا يمكن؛ لأنها تقع بغير قصد، فوقع العفو عنها. سواء قصدها، أو لم يقصدها , ولا يجوز أن يكرر النظر إلى الأجنبية. لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة". وفي هذه الآية دليل على تحريم النظر إلى غير من يحل النظر إليه.
ومعنى {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} : أنه يجب عليهم حفظها عما يحرم عليهم. وقيل: المراد ستر فروجهم عن أن يراها من لا تحل له رؤيتها, ولا مانع من إرادة المعنيين فالكل يدخل تحت حفظ الفرج. والفرج الشق بين الشيئين، كفرجة الحائط. والفرج ما بين الرجلين، وكنى به عن السوءة، وكثر حتى صار كالصريح فيه.