الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ... (21) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، لَا تَسْلُكُوا سَبِيلَ الشَّيْطَانِ وَطُرُقَهُ , وَلَا تَقْتَفُوا آثَارَهُ، بِإِشَاعَتِكُمُ الْفَاحِشَةَ فِي الَّذِينَ آمَنُوا , وَإِذَاعَتِكُمُوهَا فِيهِمْ , وَرِوَايَتِكُمْ ذَلِكَ عَمَّنْ جَاءَ بِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَهِيَ الزِّنَا وَالْمُنْكَرِ مِنَ الْقَوْلِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْخُطُوَاتِ وَالْفَحْشَاءِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدَ ذَلِكَ , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَرَحْمَتُهُ لَكُمْ، مَا تَطَهَّرَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا مِنْ دَنَسِ ذُنُوبِهِ وَشِرْكِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُطَهِّرُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا}
يَقُولُ: «مَا اهْتَدَى مِنْكُمْ مِنَ الْخَلَائِقِ لِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ يَنْفَعُ بِهِ نَفْسَهُ، وَلَمْ يَتَّقِ شَيْئًا مِنَ الشَّرِّ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ»
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"مَا زَكَى: مَا أَسْلَمَ"
وَقَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ زَكَى أَوْ تَزَكَّى فَهُوَ الْإِسْلَامُ»
وَقَوْلُهُ: {وَاللَّهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ}
يَقُولُ: وَاللَّهُ سُمَيْعٌ لِمَا تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ , وَتَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِكُمْ، عَلِيمٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ , وَبِغَيْرِهِ مِنْ أُمُورِكُمْ، مُحِيطٌ بِهِ , مُحْصِيهِ عَلَيْكُمْ، لِيُجَازِيَكُمْ بِكُلِّ ذَلِكَ.