قال - عليه الرحمة:
قوله جل ذكره: {الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيِثِينَ وَالخَبِيْثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ}
{الْخَبِيثَاتُ} : من الأعمال وهي المحظورات {لِلْخَبِيثينَ} : من الرجال المُؤْثِرين لها طوعاً، والذين يجنحون إلى مثل تلك الأعمال فهم لها، كلٌّ مربوطٌ بما يليق به؛ فالفِعْلُ لائقٌ بفاعله، والفاعلُ بِفِعْلِهِ في الطهارة والقذارة، والنفاسة والخساسة، والشرفِ والسِّرَفِ.
ويقال: {الخَبِيثَاتُ} : من الأحوال؛ وهي الحظوظُ والمُنَى والشهواتُ لأصحابها والساعين لها. والسارعون لمثلها لها، غيرَ ممنوعٍ أحَدُهما من صاحبه، فالصفةُ للموصوف مُلازِمة، والموصوفُ لِصِفَتِهِ ملازِمٌ.
ويقال: {الخَبِيثَاتُ} من الأشياء للخبيثين من الأشخاص وهم الراضون بالمنازل السحيقة ... وإنَّ طعامَ الكلابِ الجِيَفُ.
ويقال: {الخَبِيثَاتُ} : من الأموال - وهي التي ليست بحلال - لمن بها رتبته، وعليها تعتكف هِمَّتُه؛ فالخبيثون من الرجال لا يميلون إلاَّ لمثل تلك الأموال، وتلك الأموال لا تساعد إلا مثلَ أولئك الرجال.
قوله جل ذكره: {وَالطَّيِبَاتُ لِلطَّيِبِنَ وَالطَّيِبُونَ لِلطَّيِبَاتِ} .
{وَالطَّيِّبَاتُ} : من الأعمال هي الطاعات والقُرَبُ للطيبين والطيبون هم المُؤْثِرُون لها والساعون في تحصيلها.
{وَالطّيِّبَاتُ} : من الأحوال - وهي تحقيق المواصلات بما هو حقُّ الحق، مُجَرَّداً عن الحظوظ {لِلطَّيِبِينَ} من الرجال، وهم الذين سَمَتْ هِمَّتهم عن كلِّ مُبْتَذَلٍ خسيس، ولهم نفوسٌ تسموا إلى المعالي، وهي التجمُّلُ بالتذلل لِمَنْ له العِزَّةُ.
ويقال الطيبات من الأموال - وهي التي لا نكيرَ للشرع عليها، ولا مِنَّةَ لمخلوقٍ فيها - للطيبين من الرجال، وهم الأحرار الذين تخلَّصوا من رِقِّ الكون.