وإذا لم ير أن عليه من إنكار أن يكون رزقه بيد الله إن شاء بسطه وإن شاء قدره لم ينل به، وأضاف ما نال عنه من ذلك إلى الكواكب وتدبرها.
وأما من علم أنه على الإطلاق هذه الأقوال مذموم، وهي منه منكرة ومستقبحة، فأنه يتوقاها ويتجنبها، فصح إذاً أن عدم الحياء هو الذي سل السبيل إلى الكفر.
وأن وجوب الحياء ووقوره هو الذي دعا إلى لزوم الإيمان، فصح بذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - «الحياء من الإيمان» ، و «قلة الحياء من الكفر» .
ويدخل في جملة الحياء إستحياء الناس بعضهم من بعض، وقد يجوز ذلك مما يتصل بحقوق الله عز وجل، وفيما يتصل بما بين الناس خاصة.
فأما الأول فكمحافظة الواحد على الجماعات حياء من الناس وهي على وجهين: أحدهما أن يخاف ذم الجيران إياه، وأن تقبح صورته عندهم، فلا يفارق المسجد ليحمدوه ويثنوا عليه خيراً، فيكون ذكره فيما بينهم جارياً بالخير لا بالشر، فهذا رياء، إذا لم يتجاوز قصده أمر الناس، وليس بمحمود وسنذكره في بابه.
والآخر أن يكون حياء من الله تعالى بالحقيقة، يخشى أنه إن فارق الجماعة كان من عاجل مؤاخذة الله تعالى إياه، أن يبسط المسلمون فيه ألسنتهم بالذم.
وإن كان معها كان من عاجل ما يثنيه الله تعالى أن يطلق المسلمون ألسنتهم فيه بالمدح، فيكون خوفه ذم الناس، وحبه مدحهم متعلقاً بالله - عز وجل - لا بغيره، فهذا محمود.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» .
وفي معنى هذا قولان:
أحدهما: أن المراد به الدلالة على أن عدم الحياء يدل على أن الأشد بأن الذي لا يؤمن أن الاستحياء فتنة، وأن أعظم الموانع من القبائح عند العقلاء الذم وهو فوق عقوبة البدن، فمن طاب نفساً بالذم ولم يخشه، لم يردعه عن قبيح ما هو رادع فلا نال شيئاً حتى ترك نفسه مهتوك الستر، مثلوب العرض، ذاهب ماء الوجه لا وزر له ولا قدر، قد ألحقه الناس بالبهائم وأدخلوه في عدادها، بل صار عندهم أسوأ حالاً بهذا القول، على ما في ترك الإستيحاء من الضرر ولينتهي عيبه، ويستشعر من الحياء ما يردع عن إتيان القبيح فهو من يعنيه.
والآخر: أن معناه إذا لم يفعل ما يستحى من مثله فلا حرج بعد ذلك فاصنع ما شئت.
وكلاهما حسن وحق، والله أعلم بما أراد رسوله - صلى الله عليه وسلّم - .