... من هنا كان من أعجب العجب أن يتسرب الفكر الإرجائى إلى هذه الأمة، ذلك الفكر الذي يقول إن الإيمان هو التصديق والإقرار، وليس العمل داخلا فِي مسمى الإيمان (1) ، والذي يقول: (( من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن ولو لم يعمل عملا واحدا من أعمال الإسلام! ) ).... قالوا: إن الله يخرج من النار قوما لم يعملوا خير قط.. ولا حرج على فضل الله. ولكن انظر إلى حال الأمة إن قال كل واحد فيها أنا مؤمن ما دمت مصدقا ومقرا، ولا على أن أعمل ! كيف يكون حالها؟ إنها تكون ذلك الغثاء الذي أخبر عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، الذي تتداعى عليه الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها (2) .0 فهل تكون عندئذ هي الأمة التي أخرجها الله لتكون خير أمة أخرجت للناس، والتي تكون شاهدة على كل البشرية؟!... تستطيع الشجرة أن تعيش وتثمر وتمد أفرعها فِي الفضاء، وهي تحمل من بين أوراقها بضع أوراق صفراء.. ولكن يوم تقول كل ورقة فِي نفسها: من حقى أن أكون صفراء ذابلة وإن جفت المياه فِي عروقى مادمت لم أسقط على الأرض بعد، فكم تعيش هذه الشجرة على ظهر الأرض؟! وهل تكون حينئذ هي الشجرة الطيبة الموصوفة فِي كتاب الله: (( كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فِي السماء(24) تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها )) (3) ، أم تكون شجرة متهالكة لا تؤتى أكلاً ولا تظل أحدا؟!
(1) المسمى ليس هو الاسم، إنما هو الشيء أو الشخص الذي يحمل الاسم. ومنه قولهم: اسم على مسمى، أي شخص يتصف بالصفات التي يدل عليها الاسم. ولكن كثيرا من الناس يستخدمون لفظ المسمى ويقصدون به الاسم.
(2) قال عليه الصلاة والسلام: (( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها. قالوا أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ) ). رواه أحمد وأبو داود .
(3) سورة إبراهيم: 24،25