... وذلك كله فضلا عن الضلال الروحى والفكرى والسلوكى الذي ينشأ من عقيدة لا تؤمن بالله الواحد، ولا تؤمن بالبعث والنشور، والحساب والجزاء، فتنتهى الحياة فِي حسها عند الحياة الدنيا، وتنحصر الأهداف فِي الغلبة والمتاع، وهي ذات الأهداف التي يعيش من أجلها الحيوان، وإن اختلفت الصور، واختلفت الأدوات0... ولا يحسبن أحد أن الجاهلية المعاصرة ناجية من هذه الضلالة. بل هي غارقة فيها إلى الآذان، وإن كان لديها من الأدوات ما تزيف به الواقع، وتزخرفه بشتى الزخارف، وتتحدث به عن (( القيم العليا ) )و (( حقوق الإنسان ) )و (( العدالة ) )و (( الروح الإنسانية ) )و (( حق تقرير المصير ) )00 وعشرات أخرى من القيم الجميلة الخلابة التي لا رصيد لها فِي عالم الواقع 00 إنما يحكم الواقع قانون الغاب: القوى يأكل الضعيف، أو يزيحه من الطريق. ومن كان فِي شك من هذا فلينظر إلى قضية واحدة من قضايا الحاضر، قضية الأرض المغتصبة فِي فلسطين، ووقوف (( القوى العظمى ) )مع المجرم المغتصب ضد صاحب الحق المستضعف المأكول!... ولكنا معنيون هنا بالحدث عن الجاهلية العربية بالذات، التي عاشت آماداً من الزمن لا يعلمها إلا الله، عاجزة عن تكوين (( أمة ) )، حتى آمنت بلا إله إلا الله، فتكون منها خيرة أمة أخرجت للناس0... نريد أن نتعرف على نوع التغيير الذي حدث فيها، والكيفية التي حققت بها لا إله إلا الله ما حققت من النتائج فِي عالم الواقع، لا فِي عالم الوهم، ولا فِي عالم الشعارات المطلقة فِي الهواء0... لا إله إلا الله.. إذن فهو إله واحد، ومعبود واحد، ومتجه واحد محدد السمات00... ويكفى هذا لتغيير كل شيء !... (( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار(39) ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون )) (1) .
(1) سورة يوسف: 39،40