المسلمين والنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت {وَمَا أَرْسَلْنَا} (الحج: 52)
الآية، قال القسطلاني في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القصة وسندها غير
واحد من الأئمة، حتى قال ابن إسحاق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة اهـ
وكفى في إنكار حديث أن يقول فيه ابن إسحاق: إنه من وضع الزنادقة مع حال ابن
إسحاق المعروفة عند المحدثين.
وقال القاضي عياض: إن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا
رواه أحد بسند متصل سليم؛ وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون
بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، ثم نقل عن أبي بكر ابن
العلاء ما يدل على سقم الرواية واضطراب الرواة فيها، وما يقضي عليها بالوهن
والسقوط عن درجة الاعتبار، وقال الإمام أبو بكر بن العربي - وكفى به حجة في
الرواية والتفسير: إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له.
قال القاضي عياض: والذي ورد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم
قرأ {وَالنَّجْمِ} (النجم: 1) وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن
والإنس اهـ، وقد يكون ذلك لبلاغة السورة وشدة قرعها وعظم وقعها، ثم قال
القاضي: قد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم
ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة
غير الله وهو كفر، أو أن يتسود عليه الشيطان ويشبّه عليه القرآن حتى يجعل فيه
ما ليس منه، ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أن من القرآن ما ليس منه حتى
يُفهمه جبريل عليه السلام، وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم، أو يقول
ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قِبَل نفسه عمدًا، وذلك كفر أو سهو، وهو
معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته صلى الله عليه وسلم
من جريان الكفر على لسانه أو قلبه لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يشبه عليه ما يلقيه
المَلَك مما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله لا
عمدًا ولا سهوًا ما لم ينزل عليه، وقد قال الله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ
الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ (الحاقة: 44 - 46) ،