وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُمْ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ قَالُوا: رَبُّنَا اللَّه وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ عَظِيمٌ فِي الظُّلْمِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ اسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ حَقٍّ قَوْلَهُمْ: (رَبُّنَا اللَّهُ) وَهُوَ مِنَ الْحَقِّ؟
قُلْنَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ أَنَّهُمْ أُخْرِجُوا بِغَيْرِ مُوجِبٍ سِوَى التَّوْحِيدِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُوجِبَ الْإِقْرَارِ وَالتَّمْكِينِ لَا مُوجِبَ الْإِخْرَاجِ وَالتَّسْيِيرِ، وَمِثْلُهُ (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ) [المائدة: 59]
(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40)
وَهَاهُنَا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الدِّفَاعِ الَّذِي أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ؟
الْجَوَابُ: هُوَ إِذْنُهُ لِأَهْلِ دِينِهِ بِمُجَاهَدَةِ الْكُفَّارِ فَكَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: وَلَوْلَا دِفَاعُ اللَّه أَهْلَ الشِّرْكِ بِالْمُؤْمِنِينَ، مِنْ حَيْثُ يَأْذَنُ لَهُمْ فِي جِهَادِهِمْ وَيَنْصُرُهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ لَاسْتَوْلَى أَهْلُ الشِّرْكِ عَلَى أَهْلِ الْأَدْيَانِ وَعَطَّلُوا مَا يَبْنُونَهُ مِنْ مَوَاضِعِ الْعِبَادَةِ، وَلَكِنَّهُ دَفَعَ عَنْ هَؤُلَاءِ بِأَنْ أَمَرَ بِقِتَالِ أَعْدَاءِ الدِّينِ لِيَتَفَرَّغَ أَهْلُ الدِّينِ لِلْعِبَادَةِ وَبِنَاءِ الْبُيُوتِ لَهَا، وَلِهَذَا الْمَعْنَى ذَكَرَ الصَّوَامِعَ وَالْبِيَعَ وَالصَّلَوَاتِ وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ وُجُوهًا أُخَرَ:
أَحَدُهَا: قَالَ الْكَلْبِيُّ يَدْفَعُ اللَّه بِالنَّبِيِّينَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَبِالْمُجَاهِدِينَ عَنِ الْقَاعِدِينَ عَنِ الْجِهَادِ
وَثَانِيهَا: رَوَى أَبُو الْجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ يَدْفَعُ اللَّه بِالْمُحْسِنِ عَنِ الْمُسِيءِ، وَبِالَّذِي يُصَلِّي عَنِ الَّذِي لَا يُصَلِّي، وَبِالَّذِي يَتَصَدَّقُ عَنِ الَّذِي لَا يَتَصَدَّقُ وَبِالَّذِي يَحُجُّ عَنِ الَّذِي لَا يَحُجُّ،