وقال عند ذلك: مسّني الضر من طمع إبليس في سجود حرمتي له ، ودعائه إياّها وإيّاي إلى الكفر ، قالوا: ثمَّ الله سبحانه رحم رحمة امرأة أيّوب بصبرها معه على البلاء ، وخفّف عنها ، وأراد أن يبرئ يمين أيوب فأمره أن يأخذ جماعة من الشجر فيضربها بها ضربة واحدة كما قال الله سبحانه {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} [ص: 44] الآية.
وقال وهب وغيره: كانت امرأة أيوب تكسب له وتعمل للناس وتجيئه بقوته ، فلمّا طال عليهما البلاء وسئمها الناس فلم يستعملها التمست له يوماً من الأيّام ما تطعمه ، فما وجدت شيئاً فجزّت قرناً من رأسها فباعته برغيف فأتته به فقال لها: أين قرنك فأخبرته بذلك فحينئذ قال: مسّني الضر.
وقال قوم: إنّما قال: مسّني الضر حين قصدت الدود إلى قلبه ولسانه فخشي أن يعيى عن الذكر والفكر.
وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان لأيوب أخوان فأتياه فقاما من بعيد لا يقدران أن يدنوا منه من ريحه ، فقال أحدهما لصاحبه: لو كان الله علم في أيّوب خيراً ما ابتلاه بما نرى: قال: فلم يسمع أيوب شيئاً كان عليه أشدّ من هذه الكلمة ، وما جزع من شيء أصابه جزعه من تلك الكلمة ، فعند ذلك قال: مسّني الضرّ ، ثم قال: اللهمَّ إن كنت تعلم أني لم أبتْ ليلة شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدّقني فصدّق ، وهما يسمعان ، ثمّ قال: اللهمّ إن كنت تعلم أنّي لم أتّخذ قميصين قطّ وأنا أعلم مكاناً عار فصدقني فصدّق وهما يسمعان فخرَّ ساجداً.
وقيل معناه: مسّني الضر من شماتة الأعداء ، يدلّ عليه ما روي أنّه قيل له بعدما عوفي: ما كان أشدّ عليك في بلائك؟ قال: شماتة الأعداء.
وقيل: إنّما قال ذلك حين وقعت دودة من فخذه فرفعها وردّها إلى وضعها وقال: كلي فقد جعلني الله طعامك ، فعضّتهُ عضّة زاد ألمها على جميع ما قاسى من عضّ الديدان.