فقال أيّوب: قصرت عن هذا الأمر الذي يعرض عليّ ليت الأرض انشقّت فذهبت فيها ولم أتكلّم بشيء يسخط ربّي ، اجتمع عليّ البلاء إلهي فجعلتني مثل العدوّ ، وقد كنت تكرمني وتعرف نصحي ، وقد علمت أنّ كلّ الذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك وأعظم من هذا ، ما شئت عملت ، لا يعجزك شيء ولا تخفى عليك خافية ولا تغيب عنك غائبة ، من هذا الذي يظن أن يسرّ عنك سرّاً وأنت تعلم ما يخطر على القلوب؟ وقد علمت منك في بلائي هذا ما لم أكن أعلم ، وخفت حين بلوت أمرك أكثر ممّا كنت أخاف ، إنّما كنت أسمع بسطوتك سمعاً فأمّا الآن فهو نظر العين ، إنّما تكلمت حين تكلمت لتعذرني ، وسكتُّ حين سكتُّ لترحمني ، كلمة زلّت فلن أعود ، قد وضعت يدي على فمي وعضضت على لساني وألصقت بالتراب خدّي ودسست فيه وجهي لِصَغاري ، وسكتُّ كما أسكتتني خطيئتي ، فاغفر لي ما قلت فلن أعود لشيء تكرهه مني .
فقال الله سبحانه: يا أيوب فقد نفذ فيك علمي وسبقت رحمتي غضبي إذ خطئت فقد غفرت لك ، ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم ليكون لمن خلفك آية ، ويكون عبرة لأهل البلاء وغزاءً للصابرين فاركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ، فيه شفاؤك ، وقرّب عن صحابتك قرباناً واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك.
فركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها ، فاغتسل فأذهب الله عنه كلّما كان به من البلاء ، ثمَّ خرج فجلس وأقبلت امرأته فقامت تلتمسه في مضجعه فلم تجده فقامت كالواله مترددة متحيّرة ثم قالت: يا عبد الله هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان هاهنا؟ فقال لها: وهل تعرفينه إذا رأيته؟ قالت: نعم ومالي لا أعرفه؟ فتبسم وقال: أنا هو فعرفته بمضحكه فاعتنقته.
قال ابن عباس: فوالذي نفس عبد الله بيده ما فارقته من عناقه حتى مرّ بهما كلّ مال لهما وولد ، فذلك قوله {وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ} {أَنِّي مَسَّنِيَ الضر} .