فأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشاً ورفضه خلق الله كلهم غير امرأته ، وهي رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب ، وكانت تختلف إليه بما يصلحه ويلزمه ، فلما رأى الثلاثة من أصحابه وهم: أليفر ويلدد وصافر ما إبتلاه الله سبحانه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه ، فلما طال به البلاء انطلقوا إليه وهو في بلائه فبكتوه ولاموه وقالوا له: تب إلى الله سبحانه من الذنب الذي عوقبت به ، قال: وحضر معهم فتى حديث السِن وكان قد آمن به وصدّقه فقال لهم: إنكم تكلمتم أيها الكهول وكنتم أحق بالكلام لأسنانكم ، ولكن قد تركتم من القول أحسن من الذي قلتم ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم ، ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم ، وقد كان لا يؤت عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم ، فهل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم وحرمة من انتهكتم ، ومن الرجل الذي عِبتم واتهمتم؟ ألم تعلموا أن أيوب نبي الله وخيرته وصفوته من أهل الأرض يومكم هذا ، ثم لم تعلموا أو لم يطلعكم الله على أنه قد سخط شيئاً من أمره منذ أتاه ما أتاه إلى يومكم هذا ، ولا على أنه نزع منه شيئاً من الكرامة التي اكرمه بها ، ولا أن أيوب غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا ، وإن كان البلاء هو الذي أزري به عندكم ووضعه في أنفسكم ، فقد علمتم أان الله سبحنه يبتلي النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، ثم ليس بلاؤه لأولئك بدليل على سخطه عليهم ، ولا هوانه لهم ، ولكنها كرامة وخيرة لهم ، ولو كان أيوب ليس من الله تعالى بهذه المنزلة إلاّ أنه أخٌ اجتبيتموه على وجه الصحبة لكان لا يجمل بالحليم أن يعذل أخاه عند البلاء ولا يعيّره بالمصيبة ولا يعيبه بما لا يعلم ، وهو مكروب جرين ، ولكنه يرحمه ويبكي معه ويستغفر له ويحزن بحزنه ويدله على مراشد أمره ، وليس بحكيم ولا رشيد من جهل هذا ، فالله الله أيها الكهول وقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم ويكسر