قلوبكم.
ألم تعلموا أن لله عباداً أسكتتهم خشية من غير عيّ ولا بُكْم ، وأنهم لهم الفصحاء البلغاء النبلاء الأولياء العالمون بالله وبأيامه ، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم واقشعرّت جلودهم ، وانكسرت قلوبهم ، وطاشت عقولهم إعظاماً لله وإعزازاً وإجلالاً ، فإذا استفاقوا من ذلك اسْتَبَقُوا إلى الله بالأعمال الزاكية ، يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين ، وإنهم لأَنْزَاه برآء ، ويعدون أنفسهم مع المقصرين المفرطين ، وإنهم لأكياس أقوياء ، ولكنهم لا يستكثرون لله الكثير ولا يرضون لله بالقليل ، ولا يدلون عليه بالأعمال فهم مروّعون مفزَّعون خاشعون مستكينون .
فقال أيوب: إن الله سبحانه يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير فمتى ثبتت في القلب يظهرها الله على اللسان ، وليست تكون الحكمة من قبل السنّ والشيبة ولا طول التجرية ، ولئن جعل الله تعالى العبد حكيماً في الصبا لم يسقط منزلته عند الحكماء وهم يرون من الله سبحانه عليه نور الكرامة.
ثم أقبل أيوب على الثلاثة فقال: أتيتموني غضاباً رهبتم قبل أن تسترهبوا ، وبكيتم من قبل أن تضربوا ، كيف بي لو قلتُ لكم تصدّقوا عنّي بأموالكم لعلّ الله أن يخلّصني ، أو قرّبوا عنّي قرباناً لعلّ الله يتقبّله ويرضى عني ، وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم وظننتم أنكم عوقبتم بإحسانكم فهنالك بغيتم وتعزّزتم ولو نظرتم فيما بينكم وبين ربّكم ثمّ صدقتم لوجدتم لكم عيوباً سترها الله بالعافية التي ألبسكم ، وقد كنت فيما خلا والرجال يوقّرونني وأنا مسموع كلامي ، معروف حقّي ، منصف من خصمي ، فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام معكم ، فإنّكم كنتم عليَّ أشدّ من مصيبتي.