فقام إلى الباب ، فإذا هو مغلق كما أغلقه . وإذا الرجل معه في البيت ، فعرفه ، فقال: يا عدو الله . قال: نعم . أعييتني في كل شيء ، ففعلت ما ترى لأغضبك ، فسمي ذا الكفل ، لأنه تكفل بأمر فوفى به.
قال مجاهد: كان رجلاً صالحاً غير نبي . وكذا قال أبو موسى الأشعري وقوله: {كُلٌّ مِّنَ الصابرين} أي: كلهم من أهل الصبر فيما نابه في الله ، وعلى تبليغ
رسالاته وعلى شدائد الدنيا ، وعلى القيام بعبادة الله ، وعلى الصبر على الأذى في الله.
{وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ الصالحين} .
أي: ممن عمل بطاعة الله.
وقيل: إن ذا الكفل إنما سمي بذلك لأن الله تكفل له في عمله وسعيه بضعف عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمنه.
ثم قال تعالى ذكره: {وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ} .
أي: واذكر [يا محمد] صاحب الحوت . وهو يونس إذ ذهب مغاضباً.
قال ابن عباس والضحاك: ذهب غاضباً على قومه.
وعن ابن عباس أنه خرج مغاضباً على ربه لما رد العذاب عن قومه وصرفه عنهم . وهذا قول مردود ، لا تغضب الأنبياء على ربها ، لأن الغضب على الله معاداة
له . ومن قصد الله بالعداوة كفر . ونعيذ الله تعالى يونس صلى الله عليه وسلم من ذلك . وكذلك لا يجوز أن تتأول في قوله تعالى: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} .
إنه من القدرة عليه ، وأنه يفوت الله . كان صلى الله عليه وسلم أعلم بالله من ذلك ، إنما هو من التقدير الذي هو التضييق . ظن أن الله لا يضيق عليه مسلكه في خروجه عنهم . طمع برحمة الله له في ترك التضييق عليه . وقد فسرنا هذال المعنى.
وقيل: إنما نقم الله عليه أنه خرج عن قومه فاراً من نزول العذاب بهم من غير أن يأمره الله بالخروج ، وهي صغيرة والله يغفر الصغائر لغير الأنبياء ، فكيف للأنبياء فنادى في بطن الحوت {لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين} .