وقوله تعالى: {كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفردوس نُزُلاً} [الكهف: 107] الفردوس: هو أعلى الجنة ، والنُّزُل: ما يُعده الإنسان لإكرام ضيفه من الإقامة ومَقوّمات الحياة وتَرَفها ، والإنسان حينما يُعِدُّ النُزْلَ لضيفه يعده على حَسْب قدراته وإمكانياته وعلمه بالأشياء ، فما بالك إنْ كان المعِدّ لِلنُّزُل هو الله تبارك وتعالى؟
ثم يقول الحق سبحانه: {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ}
وخلود النعيم في الآخرة يُميّزه عن نعيم الدنيا مهما سَمَا ، كما أن نعيم الدنيا يأتي على قَدْر تصوُّرنا في النعيم وعلى حَسْب قدراتنا ، وحتى إنْ بلغنا القمة في التنعُّم في الدنيا فإننا على خَوْف دائم من زواله ، فإما أنْ يتركك النعيم ، وإما أن تتركه ، وأما في الجنة فالنعمة خالدة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وأنت مُخلّد فيها فلن تتركك النعمة ولن تتركها .
لذلك يقول تعالى بعدها: {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} [الكهف: 108] أي: لا يطلبون تحوُّلهم عنها إلى غيرها ، لأنه لا يُتصوَّر في النعيم أعلى من ذلك .
ومعلوم أن الإنسان لديه طموحات ترفيهية ، فكلما نال خيراً تطلع إلى أعلى منه ، وكلما حاز متعةً ابتغى أكثر منها ، هذا في الدنيا أما في الآخرة فالأمر مختلف ، وإلا فكيف يطلب نعيماً أعلى من الجنة الذي قال الله عنه: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} [البقرة: 25] .
أي: كلما رزقهم الله ثمرةً أتتْهم أخرى فقالوا: لقد رُزِقْنا مثلهم من قبل ، وظنّوها كسابقتها ، لكنها ليست كسابقتها بل بطعم جديد مختلف ، وإن كانت نفس الثمرة ، ذلك لأن قدرة الأسباب محدودة ، أما قدرة المسبِّب فليست محدودة .