وكأن الحق سبحانه أعطى مثلاً لموسى عليه السلام فقال له: ليست ضنيناً عليك بالرؤية ، ولكن قبل أن تراني انظر إلى الجبل أولاً ليكون لك مثالاً ، إذن: لا يمنع القرآن أن يتجلى الله على الخَلْق ، لكن هل نتحمل نحن تجلِّي الله؟
فمن رحمة الله بنا ألاَّ يتجلى لنا على الحالة التي نحن عليها في الدنيا . أما في الآخرة ، فإن الخالق سبحانه سيُعِدّنا إعداداً آخر ، وسيخلقنا خِلْقة تناسب تجلِّيه سبحانه على المؤمنين في الآخرة ؛ لأنه سبحانه القائل: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 2223] .
وسوف نلحظ هذا الإعداد الجديد في كُلِّ أمور الآخرة ، ففيها مثلاً تقتاتون ولا تتغوطون ؛ لأن طبيعتكم في الآخرة غير طبيعتكم في الدنيا .
لذلك جاء السؤال من موسى عليه السلام سؤالاً علمياً دقيقاً: {رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] أي: أرِني كيفية النظر إليك ؛ لأني بطبيعتي وتكويني لا أراك ، إنما إنْ أريتني أنت أرى .
وفي ضوء هذه الحادثة لموسى عليه السلام نفهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تُخيِّروا بين الأنبياء ، فإن الناس يُصْعقون يوم القيامة ، فأكون أولَ مَنْ تنشقُّ عنه الأرض ، فإذا أنا بموسى آخذٌ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أكان فيمن صُعِق ، أم حُوسِب بصَعْقة الأولى".
قالوا: لأنه صُعِق مرة في الدنيا ، ولا يجمع الله تعالى على عبده صَعقتَيْن .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ}
وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100)