وفى الحق أنه لو صدقت الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه باني الإسكندرية ما عدلنا عن هذا القول، لأنه يكون تفسيرا للقرآن بالسنة وهي المبينة للقرآن.
وهناك قول قاله العلامة الهندي أبو الكلام زاده وهو أنه غورش الفارسي الذي أنقذ بني إسرائيل من أسرهم في بابل، فقد وصف في التوراة التي بأيدينا في سفر دنيال وغيره بأنه لقب"ذو القرنين"لعظيم قوته واتساع ملكه وقوة سلطانه.
ويقرب هذا أنه ينطبق عليه الوصف المذكور في القرآن، وأن السؤال كما جاء في القرآن الكريم منبعث من اليهود، سواء وجهه اليهود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، أم وجهوه عن طريق المشركين كما اخترنا ورجحنا، وأما ملكه فقد كان في وسط بين غرب آسيا وشرقها وأنه اتجه بسلطانه إلى الغرب، ثم اتجه من بعد ذلك إلى الشرق، كما يومئ القرآن الكريم، إذ إنه ابتدأ بذكر عمله في الغرب ثم في الشرق، وإنا لَا نختار رأيا لأننا لَا نحتاج إليه في تفسير القرآن الكريم لأنه واضح المعنى ولو لم يعرف قبيل ذي القرنين.
ْهذه هي النظرة إلى شخص ذي القرنين، وإن كانت معرفة شخصه لَا تزيد القرآن بيانا، بل العبرة في خبره ثابتة ولو لم يعلم جنسه وقبيله.
وقوله: (قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا) الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - في (قُلْ) ، والخطاب في (عَلَيْكُم) للمشركين السائلين، للاعتبار؛ لأف خبر رجل صالح، ممكَّن فأقام العدل، وأقام المصلحة، ونفع الناس. قوله تعالى: (سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ) ، أي من خبره (ذِكْرًا) ، أي خبرا يكون فيه تذكير لكم بوجوب التوحيد، وترك عبادة الأوثان، وإقامة العدل، ونفع الناس بدل إيذائهم، والتعبير
بـ (سَأَتْلُو) ، أي سأخبركم بخبره وأقص عليكم قصصه، والتعبير بـ (أتلو) يشير إلى أنه قد نزل فيه قرآن وما أقص هو قرآن صادق لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه تنزيل من حكيم حميد.
(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا(84)