وقيل: إن هذه الجملة من كلام الله - تعالى - لبيان طرف آخر من أمر هذا الحوت العجيب، بعد بيان أمره قبل ذلك بأنه اتخذ سبيله في البحر سربا.
ويبدو لنا أن الرأي الأول أرجح، لأن سياق الآية يدل عليه، لذا اكتفى به بعض المفسرين دون أن يشير إلى غيره.
قال الامام الرازي: قوله وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً فيه وجوه:
الأول: أن قوله عَجَباً صفة لمصدر محذوف، كأنه قيل: واتخذ سبيله في البحر اتخاذا عجبا، ووجه كونه عجبا، انقلابه من المكتل وصيرورته حيا وإلقاء نفسه في البحر.
الثاني: أن يكون المراد منه ما ذكرنا من أنه - تعالى - جعل الماء عليه كالطاق وكالسراب.
الثالث: قيل إنه تم الكلام عند قوله وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ ثم قال بعده:
عَجَباً والمقصود منه تعجب يوشع من تلك الحالة العجيبة التي رآها، ثم من نسيانه لها .. .
وهنا يحكى القرآن ما يدل على أن موسى - عليه السلام - قد أدرك أنه تجاوز المكان الذي حدده له ربه - تعالى - للقاء العبد الصالح فقال: قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ، فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً.
أي قال موسى لفتاه: ذلك الذي ذكرته لي من أمر نسيانك لخبر الحوت هو الذي كنا نبغيه ونطلبه، فإن العبد الصالح الذي نريد لقاءه موجود في ذلك المكان الذي فقدنا فيه الحوت.
فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً أي: فرجعا من طريقهما الذي أتيا منه، يتتبعان آثارهما لئلا يضلا عنه، حتى انتهيا عائدين مرة أخرى إلى موضع الصخرة التي فقد الحوت عندها.
وقصصا: من القص بمعنى اتباع الأثر. يقال: قص فلان أثر فلان قصا وقصصا إذا تتبعه.
ثم حكى القرآن ما تم لهما بعد أن عادا إلى مكانهما الأول فقال: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً.
أي: وبعد أن عادا إلى مكان الصخرة عند مجمع البحرين مرة أخرى وجدا «عبدا من عبادنا» الصالحين. والتنكير في «عبدا» للتفخيم، والإضافة في «عبادنا» للتشريف والتكريم.
آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا أي: هذا العبد الصالح منحناه وأعطيناه رحمة عظيمة من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا: واختصصناه بها دون غيره.