{قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلّمَنِ} على شرط أن تعلمني ، وهو في موضع الحال من الكاف. {مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً} علماً ذا رشد وهو إصابة الخير ، وقرأ البصريان بفتحتين وهما لغتان كالبخل والبخل ، وهو مفعول {تُعَلّمني} ومفعول {عَلِمَتِ} العائد المحذوف وكلاهما منقولان من علم الذي له مفعول واحد ، ويجوز أن يكون رشداً علة لأتبعك أو مصدراً بإضمار فعله ، ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطاً في أبواب الدين ، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقاً ، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب ، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعاً له ، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه.
{قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً} نفى عنه استطاعة الصبر معه على وجوه من التأكيد كأنها مما لا يصح ولا يستقيم وعلل ذلك واعتذر عنه بقوله.
{وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} أي وكيف تصبر وأنت نبي على ما أتولى من أمور ظواهرها مناكير وبواطنها لم يحط بها خبرك ، وخبراً تمييز أو مصدر لأَن لم تحط به بمعنى لم تخبره.
{قَالَ سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا} معك غير منكر عليك. {وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً} عطف على صابراً أي ستجدني صابراً وغير عاص ، أو على ستجدني. وتعليق الوعد بالمشيئة إما للتيمن وخلفه ناسياً لا يقدح في عصمته أو لعلمه بصعوبة الْامر ، فإن مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديد فلا خلف ، وفيه دليل على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى.
{قَالَ فَإِنِ اتبعتنى فَلاَ تَسْأَلْنى عَن شَىء} فلا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته مني ولم تعلم وجه صحته. {حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} حتى أبتدئك ببيانه ، وقرأ نافع وابن عامر"فَلاَ تَسْأَلْنِّي"بالنون الثقيلة.