وفي الآية تهكم بالكفار وإيذان بكمال ركاكة عقولهم وسخافة آرائهم حيث لا يفهمون هذا الأمر الجلي الذي لا يكاد يشتبه على البلة والصبيان فيحتاجون إلى التصريح به ، وإيثار نفي الاشهاد على نفس شهودهم ونفي اتخاذهم أعواناً على نفي كونهم كذلك للاشعار بأنهم قهورون تحت قدرته تعالى تابعون لمشيئته سبحانه وإرادته عز وجل بمعزل من استحقاق الشهود والمعونة من تلقاء أنفسهم من غير احضار واتخاذ وإنما قصارى ما يتوهم فيهم أن يبلغوا ذلك المبلغ بأمر الله جل جلاله ولم يكد ذلك يكون اهـ.
وهو كلام يلوح عليه مخايل التحقيق لكن قيل عليه يجوز أن يراد من السماوات والأرض ما يشمل أهلها وكثيراً ما يراد منهما ذلك فيدخل فيه الكفار فتفيد الآية نفيد الآية نفي إشهاد الشياطين خلقهم الذي من مداراته الإنكار المذكور من غير حاجة إلى التزام التفكيك الذي هو خلاف المتبادر ، وظاهر كلامه وكذا كلام كثير حمل الإشهاد المنفي على حقيقته.
وجوز أن يراد به المشاورة مجازاً وهو الذي يقتضيه ظاهر ما في البحر ولا مانع على هذا أن يراد من السماوات والأرض ما يشمل أهلهما فكأنه قيل ما شاورتهم في خلق أحد لا الكفار ولا غيرهم فما بال هؤلاء الكفار يتولونهم وأدنى ما يصحح التولي كون الولي ممن يشاور في أمر المتولي أو أمر غيره ويكون نفى اتخاذهم أعواناً مطلقاً في شيء من الأشياء بعد نفي مشاورتهم في الخلق ليؤدي الكلام ظاهراً عموم نفي مدخليتهم بوجه من الوجوه رأياً وإيجاد {اَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} [الكهف: 49] من وجه ، وقيل قد يراد من نفي الاشهاد في جانب المعطوف نفي المشاورة ومنه نفى أن يكونوا خلقوا حسب مشيئتهم ومنه نفى أن يكونوا خلقوا كاملين فإنه يقال خلق كما شاء بمعنى كاملاً قال الشاعر:
خلقت مبرأ من كل عيب...
كأنك قد خلقت كما تشاء