ثالثًا: إنَّ الحروب والغزوات الإسلاميَّة في العصر النبويّ غالبُها لم يكن بِمبادرة من المسلمين، فقد غُزي المسلمون مثلاً في بدْر وأحُد والأحزاب، وأمَّا غزوات اليهود وفتْح مكَّة ومؤْتة وتبوك وغيرها، فكانت تأديبًا لِمَن خانوا العقود وخالفوا العهود والمواثيق، وبدؤوا بالاعتداء، أو قتلوا رسُل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.
رابعًا: كان المسلِمون يدخلون في الغالب في معارك غير متكافِئة من حيث العددُ والعدَّة، حيث كان خصمُهم يتفوَّق عليهم تفوُّقًا ساحقًا.
ففي غزوة مؤْتة - على سبيل المثال - نجِد أنَّ عدد جنود المسلمين حوالَي ثلاثة آلاف رجُل، في حين كان عددُ جيش الكفَّار مائتي ألْف مقاتل، ناهيك عن التفوُّق في العدَّة والآلة الحربيَّة، فهل يظنّ بهذه القلَّة المستضعفة أن تغرَّها قوتها وتشرع في فرض ما معها من الحقّ على هذه الجموع الغفيرة؟! وهل سعى ثلاثةُ آلاف مسلم في فرض الإسلام على مائتَي ألف شخص؟!
خامسًا: إنَّ العقائد لا تستقرُّ في النفوس تحت وطْأة السَّيف والقهر على الإطلاق، وإنَّما تستقرُّ بالإقْناع وبالحجَّة الواضحة، ولو كانت الشُّعوب قد دخلت في الإسلام مُجْبرة فسرعان ما كانت تمرَّدتْ عليه ولفظته، ولكنَّ الحقيقة التي يشْهَد لها التَّاريخ والواقع أنَّ الشُّعوب الإسلاميَّة هي أكثر الشعوب تمسُّكًا بدينها، رغم ما تُعانيه من اضطِهادات وحروب في كثير من أنحاء العالم حتَّى في عصرنا هذا.
سادسًا: من المعلوم أنَّ هناك كثافة إسلاميَّة في جنوب شرق آسيا، في بلادٍ لَم تطأْها قدمُ مجاهد مسلم فاتح، كالفلبّين وإندونيسيا، فهناك عشَرات بل مئات الملايين أسْلموا، فمَن الَّذي أجْبر هؤلاء على اعتِناق الإسلام؟! وجدير بالذِّكْر أنَّ هؤلاء يشكِّلون غالبيَّة المسلمين في عصرنا.
كما أنَّ هناك كثيرًا من المسلِمين في دول أوربَّا والأمريكتَين، وهي بلاد لم يدخُلْها الفاتحون المسلمون، وهناك أقلّيات مسلمة في كلّ الدُّول غير الإسلاميَّة وهم متمسِّكون بالإسلام، والحمد لله.