وقال بعضهم: قد كانوا ربّما فعلوا ذلك على أن يتّفق لواحد ولود ولمعظّم جليل، أن يسمع أو يرى حمارا، فيسمّي ابنه بذلك وكذلك الكلب والذئب، ولن يتفق في ذلك الوقت أن يسمع بذكر فرس ولا حجر أو هواء أو ماء فإذا صار حمار، أو ثور، أو كلب اسم رجل معظّم، تتابعت عليه العرب تطير إليه، ثم يكثر ذلك في ولده خاصّة بعده. وعلى ذلك سمّت الرعية بنيها وبناتها بأسماء رجال الملوك ونسائهم، وعلى ذلك صار كلّ عليّ يكنى بأبي الحسن، وكل عمر يكنى بأبي حفص، وأشباه ذلك. فالأسماء ضروب، منها شيء أصليّ كالسّماء والأرض والهواء والماء والنار، وأسماء أخر مشتقّات منها على جهة الفأل، وعلى شكل اسم الأب، كالرجل يكون اسمه عمر فيسمى ابنه عميرا، ويسمّي عمير ابنه عمران، ويسمّي عمران ابنه معمرا.
وربّما كانت الأسماء بأسماء الله عزّ وجلّ مثل ما سمى الله عز وجلّ أبا إبراهيم آزر، وسمّى إبليس بفاسق، وربّما كانت الأسماء مأخوذة من أمور تحدث في الأسماء مثل يوم العروبة سمّيت في الإسلام يوم الجمعة، واشتقّ له ذلك من صلاة يوم الجمعة.
[طباع الكلب العجيبة]
قال صاحب الكلب: وزعمتم أنّه يبلغ من فضل قوّة طباع الدّيك في الإلقاح، أنّه متى سفد دجاجة وقد احتشت بيضا صغارا من نتاج الرّيح والتراب، قلبها كلّها حيوانا ولو لم يكن سفدها إلّا مرّة واحدة، وجعلتموه في ذلك بغاية الفحلة، فطباع الكلب أعجب إلقاحا وأثقب، وأقوى وأبعد، لأنّ الكلب إذا عضّ إنسانا، فأوّل ذلك أن يحيله نبّاحا مثله، وينقله إلى طباعه، فصار ينبح، ثم يحبله ويلقحه بأجراء صغار يبولها علقا في صور الكلاب، على بعد ما بين العنصرين والطّبعين والجنسين، والذي يتولّد في أرحام الدجاج، أقرب مشاكلة إلى طباع الديك، فالكلب هو العجب العجيب، لأنّه أحبل ذكرا من خلاف جنسه، ولأنّه مع الإحبال والإلقاح، أحاله نبّاحا مثله.
فتلك الأدراص وتلك الكلاب الصغار، أولاد ونتاج، وإن كان لا يبقى.
وقد تعلمون أنّ أولاد البغلات من البغال لا تبقى، وأن اللّقاح قد يقع، وإنما منع البغل من البغلة بهذه العلّة.
[كرم الكلاب]
وقال صاحب الكلب: ليس الدّيك من الكلب في شيء، فمن الكلاب ذوات الأسماء المعروفة والألقاب المشهورة. ولكرامها وجوارحها وكواسبها، وأحرارها وعتاقها، أنساب قائمة ودواوين مخلّدة، وأعراق محفوظة، ومواليد محصاة، مثل كلب جذعان، وهو السّلهب بن البراق بن يحيى بن وثّاب بن مظفّر بن محارش.