[أشرف الكتب]
وأكثر من كتبهم نفعا، وأشرف منها خطرا، وأحسن موقعا، كتب الله تعالى، فيها الهدى والرحمة، والإخبار عن كلّ حكمة، وتعريف كلّ سيّئة وحسنة. وما زالت كتب الله تعالى في الألواح والصّحف، والمهارق والمصاحف. وقال الله عزّ وجلّ {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} . وقال {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} .
ويقال لأهل التّوراة والإنجيل: أهل الكتاب.
[مواصلة خدمة العلم]
وينبغي أن يكون سبيلنا لمن بعدنا، كسبيل من كان قبلنا فينا. على أنّا وقد وجدنا من العبرة أكثر ممّا وجدوا، كما أنّ من بعدنا يجد من العبرة أكثر ممّا وجدنا.
فما ينتظر العالم بإظهار ما عنده، وما يمنع الناصر للحقّ من القيام بما يلزمه، وقد أمكن القول وصلح الدهر وخوى نجم التّقيّة، وهبّت ريح العلماء، وكسد العيّ والجهل، وقامت سوق البيان والعلم؟! وليس يجد الإنسان في كل حين إنسانا يدرّبه، ومقوّما يثقّفه. والصبر على إفهام الريّض شديد، وصرف النفس عن مغالبة العالم أشدّ منه، والمتعلّم يجد في كلّ مكان الكتاب عتيدا، وبما يحتاج إليه قائما وما أكثر من فرّط في التعليم أيّام خمول ذكره، وأيّام حداثة سنّه!! ولولا جياد الكتب وحسنها، ومبيّنها ومختصرها، لما تحرّكت همم هؤلاء لطلب العلم، ونزعت إلى حبّ الأدب، وأنفت من حال الجهل، وأن تكون في غمار الحشو، ولدخل على هؤلاء من الخلل والمضرّة، ومن الجهل وسوء الحال، وما عسى ألا يمكن الإخبار عن مقداره، إلّا بالكلام الكثير، ولذلك قال عمر رضي الله تعالى عنه: «تفقّهوا قبل أن تسودوا» .
[الاستطراد في التأليف]
وليعلم أنّ صاحب القلم يعتريه ما يعتري المؤدّب عند ضربه وعقابه، فما أكثر من يعزم على خمسة أسواط فيضرب مائة؟! لأنّه ابتدأ الضرب وهو ساكن الطباع، فأراه السكون أنّ الصواب في الإقلال، فلما ضرب تحرّك دمه، فأشاع فيه الحرارة فزاد في غضبه، فأراه الغضب أنّ الرأي في الإكثار، وكذلك صاحب القلم فما أكثر من يبتدئ الكتاب وهو يريد مقدار سطرين، فيكتب عشرة! والحفظ مع الإقلال أمكن، وهو مع الإكثار أبعد.