وأما الجهر بالليل والأسرار بالنهار، فإنه روي عن كريب قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بالقراءة بالليل، فقال: كان يقرأ في حجرته قراءة لو أراد حافظ أن يحفظها لفعل.
وقالت أم هانئ: كنت أسمع قراءة النبي - صلى الله عليه وسلّم - بالليل وأنا على عرسي، وأما الإسرار بالنهار، فلأن الصلاة التي تقام بعد طلوع الشمس على إسرار القراءة فيها، ولو كان في الجهر بها في النهار فضل لكانت الصلاة به أولى، لأن السر يكل فيستريح، فيأنس بالجهر.
والجاهر يكل فيستريح بالإسرار، إلا من قرأ بالليل جهراً الأكثر، وأسر الأقل، وإذا قرأ نهاراً أسر الأكثر وجهر بالأقل.
روى بعضهم عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - في صلاة النهار قال: كان يسر بالقراءة، وربما أسمعنا الآية والآيتين أحياناً.
وقال عبد الله بن قيس: سألت عائشة رضي الله عنها: كيف كانت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بالليل؟ أكان يجهر أو يسر؟ قالت: قد كان يفعل، وربما جهر وربما أسر، فقلت: الحمد لله الذي جعل في الدين سعة.
وعن أبي هريرة أنه كان إذا قرأ رفع طوراً أو خفض طوراً.
وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - كان يفعل ذلك.
وإذا قرأ بالنهار في بيت أو مسجد أو موضع لا لغو فيه ولا صخب، ولم يكن في صلاته، رفع صوته بالقراءة.
وإن قرأ بالليل في مجمع قد رفعت فيه الأصوات، وكان يعلم أنه إن جهر لم ينصت له، فلا ينبغي له أن يقرأ إلا بإسرار والله أعلم.
وأما إنه لا يقطع القراءة لمكالمة الناس فلأنه إذا انتهى في القراءة إلى أنة، وحضره كلام، وقد استقبلت الآية التي بلغها والكلام، فلا ينبغي أن يؤثر كلامه على القرآن، ولأن في اتباعه القرآن بعضه بعضاً من البهجة ما يظهر عند اتباع، ويخفى عند التقطيع، فكان في التقطيع سلب لبعض رتبة القرآن، فاستحق أن يكون مكروهاً، المحادثة خلال القرآن استخفاف بالقرآن.
ألا ترى أن الرجل إذا حدث أخاه أو مثله، فقد يقطعه بحديث غيره، وإذا حدث من فوقه ممن يهابه لم يفعل ذلك، فينبغي أن تكون هيبة القرآن في صدره أكثر من هيبة غيره.
وأما تحسين الصوت بالقرآن فلما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «زينوا القرآن بأصواتكم» .