فأخبر أن فيهم مع عدم القبول والفهم آفة أخرى، وهي الكبر والإعراض، وفساد القصد، فلو فهموا لم ينقادوا، ولم يتبعوا الحق. ولم يعملوا به، فالهدى في حق هؤلاء هدى بيان وإقامة حجة، لا هدى توفيق وإرشاد، فلم يتصل الهدى في حقهم بالرحمة.
وأما المؤمنون: فاتصل الهدى في حقهم بالرحمة، فصار القرآن لهم هدى ورحمة ولأولئك هدى بلا رحمة.
والرحمة المقارنة للهدى في حق المؤمنين عاجلة وآجلة.
فأما العاجلة فما يعطيهم الله تعالى في الدنيا من محبة الخير والبر، وذوق طعم الإيمان، ووجد حلاوته، والفرح والسرور بأن هداهم الله تعالى لما أضل عنه غيرهم، ولما اختلف فيه من الحق، فهم يتقلبون في نور هداه، ويمشون به في الناس، ويرون غيرهم متحيرا في الظلمات، فهم أشد الناس فرحا بما آتاهم ربهم من الهدى، قال تعالى: {قلْ بِفَضْل اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مَّمِا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] .
فأمر سبحانه عباده المؤمنين المهتدين أن يفرحوا بفضله ورحمته. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...