إعادتك النظر فيه مرة بعد أخرى حتى تعرفه انتهى. كما قيل وهو من الأمل أي الرجاء إلا
من صقل بالتخفيف بمعنى الجلاء من صقل السيف والمرآة وفيه اسْتعَارَة مكنية وتخييلية
شبه العقل بالمرآة ونحوها في قبول الجلاء بعد التدنس بالأوساخ في الذهن وإثبات الصقل
له والجلاء قرينة ومنه ينكشف تشبيه الأخلاق [الرديئة] بالأوساخ قوله واستعمله في تدبر
الآيات عطف تفسير وبيان للمراد بقوله صقل العقل التدبر أصله النظر في أدبار الشيء
والْمُرَاد هنا التفكر التام الصحيح في معاني الآيات وهي الدلائل لاشتمالها عَلَى الآيات
الآفاقية والأنفسية فالْمُرَاد بالآيات آيات الْقُرْآن، والْمُرَاد بالتدبر في الآيات الْقُرْآنية التدبر في
الآيات الآفاقية والأنفسية لتذكير الآيات إياها، والْمُرَاد بالنظر في المعجزات التأمل في بلاغة
الْقُرْآن وهي معجزة دالة عَلَى صدق مبلغه وبه يعرف النبوات والجمع في الموضعين لتعدد
دلالتها عَلَى النبوة وعلى الإعجاز وهذا هُوَ الموافق لما قبله من قوله ولا ينتفع بالتأمل فيه
أي في الْكتَاب وأكثر المحشيين حصلوا عَلَى الأدلة التي وضعها الله تَعَالَى للاستدلال بها
على وجوده تَعَالَى ووحدانيته وادعوا أنه لا وجه لحملها عَلَى آيات الْقُرْآن لفساد الْمَعْنَى مع
أنه لا يلائم قوله والنظر في المعجزات انتهى. ولا يخفى أنه أراد به أن حمل الآيات عَلَى
آيات الْقُرْآن مع قطع النظر عن اشتمالها وتذكيرها عَلَى الآيات الآفاقية والأنفسية فلا يضرنا
وإن أراد به أن الحمل الْمَذْكُور غير صحيح فمع عدم ملائمة ما ذكروه لقول المصنف بالتأمل
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
الغذاء نافعًا إنما هُوَ لصحيح البدن لا لقيمه بل ربما يستحيل الغذاء الصالح في بدن المريض
خلطًا فاسدًا مضارا لاعتدال المزاج كما قيل بلسان العجم ازقضا سر كنكبين صفر افزود روغن
بادام خشكى من نمود ازهليله قبض شدا طلاق رفت ابْ اتش رامدد شد همجونفت. ومن ذلك ترى
كثيرا من ذوي الأحلام الفاسدة من ملاحدة الفرق يصرفون بعضًا من آيات الْقُرْآن لإفصاحه بخلاف
ما هم عليه عَمَّا هُوَ مَنْطُوق الظَّاهر ويؤولونه بتأويلات خارجة عن قانون النظم وتمحلوا فيه إلَى
أمور مستبعدة لضرورة تطبيقه لما ذهبوا إليه من مذاهبهم الزائغة عن الاستقامة وإلى هذا الْمَعْنَى
الإشَارَة بقَوْلُه تَعَالَى: (ولا يزيد الظَّالمينَ إلا خسارا) . قال صاحب الكَشَّاف فإن
قلت فلم قيل هُدًى للْمُتَّقينَ والمتقون مهتدون؟ قلت هُوَ كقولك للعزيز المكرم أعزك الله وأكرمك
تريد طلب الزّيَادَة إلَى ما هُوَ ثابت فيه واستدامته كقوله: (اهْدنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ)
ووجه آخر وهو أنه سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التَّقْوَى متقين كقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قتل
قتيلًا فله سلبه. ثم قال فإن قلت: فهلا قيل هدى للضالين؟ قلت لأن الضالين فريقان فريق علم بقاؤهم
على الضلالة وهو المطبوع عَلَى قُلُوبهمْ وفريق علم أن مصيرهم إلَى الهدى فلا يكون هدى للفريق
الباقين عَلَى الضلالة فبقي أن يكون هدى لهَؤُلَاء فلو جيء بالعبارة المفصحة عن ذلك لقيل هدى
للصائرين إلَى الهدى بعد الضلال فاختصر الْكَلَام بإجرائه عَلَى الطريقة التي ذكرنا فقيل هدى
لِلْمُتَّقِينَ، وَأَيْضًا فقد جعل ذلك سلمًا إلَى تصدير السُّورَة التي هي أولى [الزهراوين] وسنام الْقُرْآن وأول
المثاني بذكر أولياء اللَّه والمرتضين من عباده. أقول: الفاآن في السؤالين للتفريع عَلَى الْكَلَام السابق
القائل في الأول إذا كان الاهتداء معتبرا في مفهوم الهدى كان الْمَعْنَى هدى للمهتدين فلم قيل كذا
وهو استحصال الحاصل وفي الثاني إذا كان الْكتَاب هدى للمشارف للتقوى وهو ليس بمتق بل هو