يقتضي أن يجيء هدى المتعدي بمعنى الإيصال ولا ينكره، وأما كونه منحصرًا في معنى
الإيصال فلا يقتضيه؛ إذ قد عرفت أن المعتبر في مفهوم الهداية عدم شرط الوصول لا اعتبار
عدم الوصول فيجوز أن يراد بها الوصل بقرينة المقابلة لا لكونه خاصًا به بل لكونه فردا منه
وله نظائر كثيرة ولو ادعى إن المقابلة للضلال يقتضي أن يكون مطاوعًا للهدى المتعدي
المختص بالإيصال لا بد من البيان؛ إذ المقابلة لا تثبت تلك الدعوى.
قوله: (ولأنه لا يقال مهدى إلا لمن اهتدى إلَى المطلوب) أي لا يقال في مقام المدح
بهذا الشخص أو فلان مهدى إلا لمن اهتدى؛ إذ لا مدح إلا بالوصول إليه والحصر الذي في
كلام المصنف بملاحظة المدح فـ [حِينَئِذٍ] يرد عليه أيضًا أن هذا يلزم منه أن الإيصال معتبر في
مفهومه وقت قيام القرينة كالمدح ولَيسَ بمطلوب والمطلوب أن الإيصال معتبر وشرط في
مفهومه وليس بلازم؛ إذ قد مَرَّ مرارًا أن الهداية عندنا مطلق الدلالة سواء حصل الإيصال أو
لا وحصول الإيصال عند قيام قرينة لا يضرنا لأنه من أفراد الدلالة المطلقة ولو قيل إن
مراده مطلق الحصر سواء كان في زمن المدح أو الذم؟ قلنا إنه مع مخالفته لما في الكَشَّاف
وهو صاحب الدليل الْمَذْكُور ممنوع ودون إثباته خرط القتاد والاستقراء التام مشكل
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
التقريب وفي هذه الْوُجُوه نظر لأن الأول معارض بقوله تَعَالَى:(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا
الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)والثاني أن المدح حاصل بالتمكن من الاستدلال وإلا لم
يوصل إلَى البغية والثالث بقولهم أمرته فلم يأتمر ولعل صاحب التقريب اقتدى بالإمام حَيْثُ قال
الإمام في تفسيره الهدى عبارة عن الدلالة وقال صاحب الكَشَّاف هي الدلالة الموصلة إلَى البغية
والذي يدل عَلَى صحة الْقَوْل الأول وفساد الثاني أنه لو كانت الدلالة الموصلة إلَى البغية مفسرة في
مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء في قوله تَعَالَى:(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)ثم أجاب عن الوجه الأول أن الفرق بين الهدى
والاهتداء معلوم بالضرورة فمقابل الهدى هُوَ الإضلال ومقابل الاهتداء هُوَ الضلال فجعل الاهتداء
في مقابلة الضلالة ممتنع وعن الثاني أن المنتفع به يسمى مهديًا لأن الوسيلة إذا لم تفض إلَى
المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم وعن الثالث الائتمار مطاوع الأمر يقال أمرته فأتمر لا يلزم منه
أن يكون من شرط كونه أمرًا حصول الائتمار فكذا هذا إلَى هنا كلام الإمام. وأُجيب عن قوله أثبت
الهدى مع عدم الاهتداء يعني في قَوْله تَعَالَى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى)
بأن يقال لا نسلم حصول الهدى الحقيقي لأن الْمُرَاد بإثبات الهدى تمكينهم عليه
بسَبَب إزاحة العلل من بغية الرَّسُول وبيان الطريق ولذلك رتب عليه فاستحبوا العمى عَلَى الهدى
أي أبدلوا المسمى بالْهُدَى إعراضًا عن الهدى واستحبابًا للعمى كما في قوله تَعَالَى:(أُولَئكَ الَّذينَ
اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بالْهُدَى)وعن قوله فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع بأنه لو
كان ممتنعًا لم يقع في الْآيَتَيْن ولأن الْمُرَاد بالمقابلة في الصناعة الجمع بين اللَّفْظَيْن الدالين عَلَى
المَعْنَيَيْن المتضادين حَقيقَة أو تقديرا أي سواء كانا متعديين أو لازمين أو أحدهما متعديا والآخر
لازما في الْآيَتَيْن هذا الْمَعْنَى موجود وسيما في الثانية فإنه صريح فيها لتوسيط كلمة التقابل وعن
قوله: إن المنتفع بالْهُدَى يسمى مهديًا يعني أن المهدى إذا دل عَلَى المدح بالْمَجَاز والقرينة مقام
المدح فلا تثبت الْحَقيقَة بقرينة المقام بأن يقال إن الْمُرَاد بقوله مهدى في مَوْضع المدح أن المهدى