وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)
و (نوحِي إليهم) ، وُيوحِي إليهم. أما القراءتان الأوليان فجيدتان والثالثة
ضعيفة لذكره أرسلنا. فأنْ يكون اللفظ على نوحِي ويوحَى أحسن، لأن نوحي يوافق اللفظ والمعنى، ويوحى إنما هو محمول على المعنى، لأن المعنى: وما أرسل اللَّه إلا رجالًا يوحى إليهم.
وإنما تجيل لهم لأنهم قالوا لولا أنزل عليه ملك أو جاء مع نذير، فأَعلم اللَّه - جل وعز - أن الرسل بشر إلا أنهم يوحى إليهم.
ثم أعلم كيف يستدل على صحة نبُوتهِمْ فقال:
(بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(44)
أي بالآيات والحجَج، والزبُرُ الكُتُب، واحدها زَبُورٌ، يقال زَبَرْتُ
الكتابَ وذَبَرْتُه بمعنى واحد، قال أبو ذؤيب:
عَرَفْتُ الدِّيَارَ كَرَقْمِ الدَّوَا... ةِ يَذْبُرُها الكاتِبُ الحِمْيَري
وقَوله: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) .
فيها قولان، قيل فاسألوا أهل الكتب أهل التوراة والإِنجيل وأهل جميع
الكتب يعترفون أن الأنبياء كلهم بشر.
وقيل (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) أي فاسْألُوا مَنْ آمَنَ من أهل الكتاب.
ويجوز واللَّه أعلم - أن يكون قيل لهم اسألوا كل
من يُذْكَرُ بعلم وافق أهل هذه الملة أو خالفهم.
والدليل على أن أهل الذكر أهل الكتب قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ، وقوله: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ) .
وقوله: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ(45)