ثم أعلم ما يَدُل على توحيده مما خلق فقال:
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(3)
ارتفع عن الذين أشركوهم به، لأنهم لاَ يَخْلُقُون شيئاً وهما يُخْلَقون.
وقوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ(4)
اختصر ههنا، وذكر تقلبَ أحْوال الِإنْسانِ في غير مكان من القرآن.
وقوله: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(5)
نصب الأنعام على فعل مضمر، المعنى خلق الأنعام خلقها، مفسِّر
للمضمر، والدفء ما يُدْفِئُهمْ من أوبَارِهَا وأصْوَافِهَا.
وأكْثَرُ ما تستعمل الأنعام في الِإبل خاصة، وتكون للِإبل والغَنَم والبقر، فأخبر اللَّه - عزَّ وجلَّ - أن في الأنعام ما يدفئنا، ولم يقل لكم فيها مَا يُكِنُّكُمْ ويدفئكم من البرد، لأن ما ستر
(1) قال السَّمين:
قوله تعالى: {يُنَزِّلُ الملائكة} : قد تقدَّم الخلافُ في"يُنَزِّل"بالنسبة إلى التشديدِ والتخفيفِ في البقرة. وقرأ زيدُ بن علي والأعمشُ وأبو بكر عن عاصم"تَنَزَّلُ"مشدداً مبنياً للمفعول وبالتاءِ مِنْ فوقُ،"الملائكةُ"رفعاً لقيامِه مَقامَ الفاعلِ وقرأ الجحدريُّ كذلك، إلا أنه خَفَّف الزايَ. وقرأ الحسنُ والأعرجُ وأبو العالية والمفضَّل عن عاصم"تَنَزَّلُ"بتاءٍ واحدةٍ مِنْ فوقُ، وتشديدِ الزايِ مبنياً للفاعل، والأصلُ:"تَتَنَزَّل"بتاءَيْن. وقرأ ابنُ أبي عبلة"نُنَزِّلُ"بنونينِ وتشديدِ الزايِ،"الملائكةَ"نصباً، وقتادةُ كذلك إلا أنه بالتخفيف. قال ابن عطية:"وفيهما شذوذٌ"ولم يُبَيِّن وجهَ ذلك، ووجهُه: أنَّ ما قبله وما بعده مضمرٌ غائبٌ، وتخريجُه على الالتفات. اهـ (الدر المصون) .