أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها أي ما يؤكل فيها من الفواكه والمطاعم والمشارب لا ينقطع، ولا يفنى، وكذلك ظلّها دائم لا ينسخ ولا يزول، فليس فيها شمس ولا حرّ ولا برد: لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً [الدّهر 76/ 13] . وفي الصّحيحين من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف، وفيه: قالوا:
يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت، فقال: «إنّي رأيت الجنّة، فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدّنيا» .
وبعد وصف الجنّة بهذه الصّفات الثلاث، قال تعالى: تِلْكَ عُقْبَى ..
أي تلك الجنّة هي عاقبة ومصير أهل التّقوى، وعاقبة الكافرين النار، بسبب كفرهم وذنوبهم، كما قال تعالى: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ [الحشر 59/ 20] .
والمراد أن ثواب المتّقين منافع خالصة عن الشّوائب موصوفة بصفة الدّوام.
والآية إطماع للمؤمنين المتّقين، وإقناط للكافرين.
ثم ذكر الله تعالى انقسام أهل الكتاب فئتين من القرآن، فقال: وَالَّذِينَ
آتَيْناهُمُ
أي والذين آتيناهم الكتاب من اليهود والنّصارى قسمان: فالقائمون بمقتضاه يفرحون بما أنزل إليك من القرآن الكريم لما في كتبهم من الشواهد على صدقه، والبشارة به، كما قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [البقرة 2/ 121] ، وهم جماعة من اليهود كعبد الله بن سلام وأصحابه، وجماعة من النّصارى وهم ثمانون رجلا من الحبشة واليمن ونجران.
ومن الأحزاب، أي ومن جماعة أهل الكتاب الذين تحزّبوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، مثل كعب بن الأشرف اليهودي، والسيد والعاقب أسقفيّ نجران وأتباعهم، من ينكر بعض ما جاءك من الحقّ، وهو ما لم يوافق شرائعهم أو ما حرّفوه منها.