وقال صلى الله عليه وسلم ذلك ؛ لأن العمل الذي فعلوه ؛ لا يكفيه أجراً إلا الجنة ، ومن المعقول أن أيَّ واحد من الذين حضروا العقبة قد يتعرض للموت من بعد معاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلو أنه وعدهم بِمَا في الدنيا من متاع قد يأخذه البعض فيما بعد ؛ فالذي يموت قبل هذا لابُدَّ أن يدرك شيئاً مِمّا وعد الرسول مَنْ عاهدوه ؛ ولذلك أعطاهم ما لا ينفد ، وهو الوَعْد بالجنة .
والحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول: {مَّثَلُ الجنة ...} [الرعد: 35]
أي: أنه يضرب لنا المَثَل فقط ؛ لأن الألفاظ التي نتخاطَبُ بها نحن قد وُضِعتْ لِمَعان نعرفها ؛ وإذا كانت في الجنة أشياء لم تَرَها عَيْنٌ ولم تسمعها أُذنٌ ، ولم تخطر على بال بشر ؛ فمنَ المُمْكِن أن نقول إنه لا توجد ألفاظ عندنا تؤدي معنى ما هناك ، فيضرب الله الأمثال لنا بما نراه من الملذَّات ؛ ولكن يأخذ منها المُكدِّرات والمُعكِّرات .
وهكذا نعرف أن هناك فارقاً بين"مثل الجنة"وبين"الجنة"، فالمَثَل يعطيني صورة أسمعها عن واقع لا أعلمه ؛ لأن معنى التمثيل أن تُلحِق مجهولاً بمعلوم لِتأخذَ منه الحكم .
مثلما تقول لصديق: أتعرف فلاناً ؛ فيقول لك:"لا". فتقول له:"إنه يشبه فلاناً الذي تعرفه".
وأنت تفعل ذلك كي تشبه مجهولاً بمعلوم ؛ لتأتي الصورة في ذِهْن سامعك .
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم شرحاً لما أجمْله القرآن: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين ...} [الزخرف: 71]
ويضيف صلى الله عليه وسلم:"فيها مَا لاَ عَيْن رأتْ ، ولا أُذن سمعتْ ، ولا خَطر على قَلْب بشرٍ".