ولو أن المستشرقين قد استقبلوا القرآن بالمَلَكة العربية الصحيحة لَعلِموا الفارق بين: {... أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب} [الرعد: 28]
وبين قول الحق سبحانه: {إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ...} [الأنفال: 2]
فكأنه إذا ذُكِر الله أمام الناس ؛ وكان الإنسان في غَفْلة عن الله ؛ هنا ينتبه الإنسان بِوجَلٍ .
أو: أن الحق سبحانه يخاطب الخَلْق جميعاً بما فيهم من غرائز وعواطف ومواجيد ؛ فلا يوجد إنسان كامل ؛ ولكُلِّ إنسان هفوة إلا مَنْ عصم الله .
وحين يتذكر الإنسانُ إسرافه من جهة سيئة ؛ فهو يَوْجَل ؛ وحين يتذكر عَفْو الله وتوبته ومغفرته يطمئن .
ويقول سبحانه بعد ذلك:
{الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآَبٍ (29) }
وطُوبَى من الشيء الطيِّب ؛ أي: سيُلاقُونَ شيئاً طيباً في كُلِّ مظاهره: شكلاً ولَوْناً وطَعْماً ومزاجاً وشهوة ، فكُلُّ ما يشتهيه الواحد منهم سيجده طيباً ؛ وكأن الأمر الطيب موجوداً لهم .
وقول الحق سبحانه: {وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرعد: 29]
أي: حُسْنُ مرجعهم إلى مَنْ خلقهم أولاً ، وأعاشهم بالأسباب ؛ ثم أخذهم ليعيشوا بالمُسبِّب الأعلى ؛ وبإمكانية"كُنْ فيكون".
ويريد الحق سبحانه من بعد ذلك أنْ يُوضِّح لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه رسول من الرُّسُل ؛ وكان كل رسول إلى أيِّ أمة يصحب معه معجزة من صِنْف ما نبغ فيه قومه .
وقد أرسل الحق سبحانه محمداً صلى الله عليه وسلم ومعه المعجزة التي تناسب قومه ؛ فَهُمْ قد نبغوا في البلاغة والبيان وصناعة الكلام ، وقَوْل القصائد الطويلة وأشهرها المُعلَّقات السبع ؛ ولهم أسواقٌ أدبية مثل: سوق عكاظ ، وسوق ذي المجاز .
ولذلك جاءت معجزته صلى الله عليه وسلم من جنس ما نبغُوا فيه ؛ كي تأتيهم الحُجَّة والتعجيز .