ولما تضمنت هذه الآية إثبات القدرة التامة مع ما سبق من أدلتها المحسوسة المشاهدة ، كان أيضاً من العجب العجيب والنبأ الغريب استهزاءهم بها ، فقال معجباً منهم: {ويستعجلونك} أي استهزاء وتكذيباً ؛ والاستعجال: طلب التعجيل ، وهو تقديم الشيء قبل وقته الذي يقدر له {بالسيئة} من العذاب المتوعد به من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة جرأة منهم تشير إلى أنهم لا يبالون بشيء منه ولا يوهن قولهم شيء {قبل الحسنة} من الخير الذي تبشرهم به {و} الحال أنه {قد خلت} ولما كان المحدث عنه إنما كان في بعض الزمان ، أدخل الجار فقال: {من قبلهم المثلات} جمع مثله بفتح الميم وضم المثلثة كصدقة وصدقات ، سميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة ، وهي العقوبات التي تزجر عن مثل ما وقعت لأجله من الأمم الذين اتصلت بهم أخبارهم ، وخاطبتهم بعظيم ما اتفق لهم آثارهم وديارهم ، وما يؤخرهم الله إلا لاستيفاء آجالهم التي ضربها لهم مع قدرته التامة عليهم.
ولما كانوا ربما قالوا: ما نرى إلا تهديداً لا يتحقق شيء منه: قال مؤكداً لإنكارهم واعتقادهم أن المسار والمضار إنما هي عادة الدهر ، عطفاً على ما تقديره: فإن ربك حليم لا يخاف الفوت فلا يستعجل في الأخذ: {وإن ربك} أي المحسن إليك بجعلك نبي الرحمة {لذو مغفرة} أي عظيمة ثابتة {للناس} حال كونهم ظالمين متمكنين في الظلم مستقلين {على ظلمهم} وهو إيقاعهم الأشياء في غير مواضعها ، فلا يؤاخذهم بجميع ماكسبوا {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} [النحل: 61] فلذلك يقيم الناس دهراً طويلاً يكفرون ولا يعاقبون حلماً منه سبحانه ، والآية مقيدة بآية النساء {ويعفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] وإن لم يكن توبة ، فإن التائب ليس على ظلمه.