كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على إِيمان قومه، وكان يرجو هدايتهم بعد سماعم قصة يوسف الموافقة لما في التوراة، فلما لم يؤْمنوا نزلت هذه الآية يواسى بها الله رسوله وَيُسَرِّى عنه ما يقاسيه من أَحزان لانصراف معظم أَهل مكة عن دعوة الحق التي جاءَهم بها، وإِمعانهم في المكابرة والضلال مع ظهور آياتها وبراهينها، فيُقَرِّرُ له سبحانه أَن هذه الظاهرة هي طبيعة معظم الناس لا أَهل مكة وحدهم، فكأَنه تعالى يقول لرسوله: وما أَكثر أَهل الأَرض بمؤْمن ولو حرصت على إِيمانهم، وبالغت في إِقامة الحجج والبراهين لهم، فإِن عقولهم تتحكم فيها أَهواؤُهم وتقليدهم لآبائِهم.
فليس غريبا أَن ترى معظم قومك"يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ"."فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ":"وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ".
104 - (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) :
إِنك تدعوهم إلى ما فيه فلاحهم في الدنيا والآخرة وتهديهم إِلى الرشاد، وتخرجهم من الظلمات إلى النور ولا تطالبهم بأَجر يقدمونه إِليك نظير هدايتم وإِرشادهم، فإِنما أَجرك على الله وحده وما الكتاب الذي أَنزله الله عليك إِلا تذكرة لأَصحاب العقول الراجحة والبصائر المميزة من أَهل الأرض جميعًا لعلهم يعتبرون ويتعظون، وليس خاصا بأهل مكة"وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ".
{وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107) }
المفردات:
(وَكَأيِّن مِّنْ آيَةٍ) : وَكم من علامة دالة على وجود الصانع ووحدته وقدرته وسائر صفاته.
(مُعْرضُونَ) : منصرفون. (غَاشِيَةٌ) : كارثة كبرى تغمرهم.