ويقلب الأحد، إلى غير ذلك من وجود الإنسان في هذه الدار.
وما أعطى فيما هَاهُنَا لنكص غفلة على عقبيه، ولقال لقائل ذلك: قد
كنت قبل هذا تخبرني فأتردد فيما تخبرني به، ثم أغلب التمكن على ما هو
عندي مستحيل، فأما الآن فأقصر عني، فإن للذي مني في أبعد البعد، ولنا
لديك في أشد الإنكار، فمن سبيل المخبر له أن يقول له: - جلَّ جلالُه - وجدت خبري
لك من إخباري تقلبك في درجات تقلبك أصدقتك فيما أنشأتك به أم
كذبتك؟ فلا بد من نعم، فيقول له: ألم تر أن الأولى كانت أقرب إلى تصورك
إياها وقولك لها من الثانية، ثُمَّ الثانية أقرب من الثالثة، والثالثة أقرب إلى الثانية
منها إلى الرابعة، وإن الرابعة أقرب إلى الثالثة منها إلى الخامسة؛ قال له: بلى،
قال له: بلى.
قال له: فمال ميزك تميز وعقلك قد عقل، واشتدت أركانك جرت
عن النهوض قدمًا في معرفة حقيقتك وما يؤول إليه شأنك، اعتمد في هذه
على صدقي الذي جربته وما يؤول إليه، ونصحي الذي قد خبرته، فإن الذي أوجدك
نطفة لا من شيء مذكور نقلك في طبقات خلقتك نقلة بعد نقلة هو
القادر على ما مضى لك وما بين يديك، فقدِّم الإيمان وغلِّب العقل واستغن
على الكذب منك بصدقي إياك في جميع ما أنبأتك فإنه كائن، وإن الخالق
عليه قادر، فصدق هذا المولود ما أنبأْه به وأعلمه.
ثم لما بلغ هذا المولود الأشد الأول جاءه ذلك المنبئ له فقال: إنك يا
هذا لو إنك خرجت من هذه الدار التي كنت وصفتها لك ببعض صفاتها
لوصلت إلى دار أخرى أوسع من هذه جدًّا، وأرحب نسبة ما بين هذه التي أنت
فيها وبين التي هي بين يديك كنسبة ما بين الوعاء الذي كنت فيه نطفة، فأخبرتك
بأنك تنقل فيما هنالك إلى طبقات خلقتك، ثم تخرج منه إلى هَاهُنَا وكل ما تراه هاهنا
أو تسمعه أو تعقله من موجودات فهي هناك أفضل جدّا نسبة ما بينها لنسبة
ما بين الدارين، بل أكبر وأحسن جدًا وأبقى وأنقى، فمنهم من آمن ومنهم من كفر
ليس هذا هو البيان المبين والنور المنير والنبأ العظيم والقول الصدوق الحليم،
وإن منكره يستحق أن يوصف بالعدم وبالحيرة وعدم الميز، أوباللجاج والجحد
للحقيقة.