وفي الحديث:"مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عَادَ في اليَوْمِ سَبْعِيْنَ مَرَّة". رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما من حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه مرفوعًا.
ويروى موقوفًا عليه، وهو المشهور.
* فائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ:
قال الله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [سورة المدثر: 31] .
فلا ينبغي استصغار شيء من خلق الله تعالى إلا من حيث أذن الله في استصغاره؛ فإن الله تعالى إذا سلط أضعف خلقه على أشدهم أهلكه كما سلط البعوض على نمرود فأهلكه بها، وكما سلط الجراد، والقمل، والضفادع على فرعون وقومه.
وقد روى أبو نعيم في"الحلية"عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: بينما موسى عليه السلام جالس عند فرعون إذ نَقَّ ضفدع، فقال موسى عليه السلام: ماذا يصيبكم من هذا؟
فقالوا: وما عسى أن يكون هذا وأذاه؟
قال: فأرسل الله عليهم الضفادع.
قلت: ولعل الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (47) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [سورة الزخرف: 47، 48] ؛ أي: يتوبون.
* فائِدَةٌ أُخْرَى:
في هذه الآية دليل وبرهان، وبيان - وأَيُّ بيانٍ - على أن الله تعالى ليس بعد كرمه كرم، ولا بعد حلمه حلم؛ كيف كان فرعون وقومه يتمادون في التمرد والطغيان وهو يعاودهم بالآيات طلبًا لرجوعهم إليه وتوبتهم إليه، فكيف يكون فعله بأوليائه وإن صدرت منهم الزلات وتواترت منهم الغَفَلات، وكيف لا يفهم المؤمن - والمؤمن كيِّسٌ فَطِنٌ - من ذلك أنَّه وإن أبعد المضمار والشرود عن الله تعالى، فإنه متى ما عاد إليه قبله وعفا عن جَفَواته.
وما أحسن ما أنشده الأستاذ أبو القاسم القشيري في"عيون الأسئلة": من السريع
ارْجِعْ إِلى الوَصْلِ الّذِي بَيْنَنا ... وَكُلُّ ذَنْبٍ لَكَ مَغْفُورُ
* فائِدَةٌ أخرى ثالِثةٌ:
متى نظر العبد إلى ملك نمرود، وفرعون، وبخت نصَّر، وسائر الجبابرة من كفار وفسَّاق، وما خوّلهم الله فيه، فَهِمَ من ذلك حكمًا بالغة.
منها: أن الملك لا يتوقف على إيمان وتقوى.